الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٦٧

الإباضية في موكب التاريخ

303

الإباضية في الجزائر

وبعد سطور قال: "ثُمَّ إن أهل هذه القرى الخمس فقط يسمون "بني مصعب"؛ لأن بعضهم من ولد مصعب، وَلَعَلَّه مصعب بن سلمان"؛ فالميزابيون اليوم هم إذن أحفاد سكان هذه البادية التي نسب إليهم وتسمت باسمهم بوديانها وهضابها، وقد كانوا يسكنونها على حياة بدوية قوامها تربية الماشية، وقليل من الزراعة الموسمية التي تعتمد على الأمطار، كما كانت تعيش كثير من القبائل البربرية في تلك العهود، وكانوا ينتقلون فيها على ضفاف الأودية الثلاثة التي تربط باديتهم رباطا يشبه الشبكة .. فلما جاء الإسلام إلى الجزائر أسلم "بو مصعب" كما أسلم غيرهم من الناس، وسبقت إليهم أصول المعتزلة فاعتنقوها، قليل منهم عن اقتناع وعلم، والكثير عن تبعية وتقليد.

11

وبقوا عَلَى ذلك (1) إلى أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، حين كان أبو عبد الله بن بكر يتنقل بين وادي" أريخ" و"وار جلان" بجموعه الهائلة من طلبة العلم كأنها الجيوش الجرارة، وكان يعتمد لتمويل ذلك العدد الهائل من الطلبة عَلَى ما تنتجه تلك الواحات الكريمة من الغلال، وما يُخصصه أصحابها من مقادير ضخمة للإنفاق على طلاب العلم، كما يعتمد على أعداد وافرة من الماشية يتخذ لها رعاة يتخيرهم من أصحاب الدين والأمانة، ثُمَّ يسلمها إليهم ليتولوا رعايتها وتربيتها وعندما تجدب المراعي بسبب الجفاف في نواحي "آجلو" و"أريغ" و"وَارجُلاَن" - وهذه البلاد كانت مضطرب الإمام يدعو رعاته إلى انتجاع بادية بني مصعب"، وقد يرافقها ليتأنس أصحاب الأرض ويحصل على موافقتهم، وقد استطاع في رحلاته تلك أن يتخذ منهم معارف وأصدقاء، كما استطاع أن يتعرف على كامل تلك البادية تعرفا كاملا، ويعرف مواطن الخصب من أوديتها، وجبالها، وملاءمة كُلّ جزء منها لأنواع الماشية على مدار السنة، ولمختلف الفصول.

(1) عندما قرأت هذا الفصل على أستاذنا الشيخ عبد الرحمن باكلي -حفظه الله - قال: "يرجح أنه كان هناك إباضية في العطف قبل مجيء مُحَمَّد بن بكر من فلول تاهرت، ويؤيد هذا أنه توجد مقبرة قديمة يظن أنها لبعض بني رستم"، ولست مقتنعًا بهذا الرأي؛ لأن أهل هذه المنطقة كانوا على خصام متواصل مع الدولة الرستمية كما هو معروف، وكما قرره القطب رحمه الله؛ فمن المستعبد جداً أن يقصدهم فلول الدولة الرستمية عند نكبتهم؛ لأن تلك الفلول إِنَّمَا تلتجئ إلى من تثق بالسلامة والأمن معها، وهؤلاء ليسوا معها حينئذ على سلام.