الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٦٩

الإباضية في موكب التاريخ

305

الإباضية في الجزائر

أَوَّلاً: أن ينتدبوا الإمام أبا عبد الله للبحث عن هذه المهمة لخبرته بالمكان، ولحكمته لمعالجة طباع أهله الشرسة.

ثانيا: تزويد الوفد بمؤونتهم لستة أشهر على حساب الجماعة.

قام الإمام بالمهمة، وإن كانت كلفته خسارة ابنه العزيز إبراهيم، إذ قتله سكان البلاد الأصليون لشراستهم، وعداوتهم المزمنة للإباضيَّة، ولكن لَمْ يُثن ذلك من عزمه لاستصلاح البلاد. فهو بحكمته وصبره ألان من قسوة قلوبهم وكبح من جماحهم وشراستهم حتى شرح الله صدرهم للإسلام الْحَقِّ. فتزل أوَّلاً في العطف واتخذها مركزا لعمله، ومقامه هنالك موجود كتذكار حول ضفة الوادي إلى اليوم.

ثالثًا: أن يرافقه خادمه وابنه إبراهيم فيما أظن. انتهى المقصود من كلام شيخنا. هكذا قرروا أن يتجهوا إلى بادية بني مصعب" فساروا بقطعان لا حصر لها من الإبل "بني والأغنام، وكان قد أعجفها القحط والجفاف، وحسب الاتفاق الذي عقده أهل الحل والعقد وأهل الماشية من انتداب أبي عبد الله صحبهما الإمام نفسه ورحب به القوم بعد جفاء، وراق المقام فقد وجد المرعى الخصب لما معه من الأنعام والأسماع المرهفة والعقول النيرة لما يلقيه عليهم من دروس فأعجبهم منه الدين والقيم والخلق السمح، والتواضع الجم، والعلم الغزير، والصدر الفسيح الذي لا يضيق وتحلق عليه الشباب والشيب فتكونت النواة الأولى لأول قرية ميزابية مستقرة (1)، وكانت أخبار أبي عبد وكانت أخبار أبي عبد الله مع "بني مصعب" تصل إلى أهل "سدراته" و وار جلان" تحدثهم عن نجاح الرحلة، وعن المدى الذي بلغت إليه الألفة بينهم، وكانوا قد تضرروا وضاقوا من توالي الجفاف وانحباس الغيث ونضوب المياه وزحف الرمال عليهم بفعل رياح الجنوب المستمرة، حتّى أصبحت الحياة في بعض تلك الأماكن عسيرة أو شبيهة

1) يقول أستاذنا الشيخ باكلي عبد الرحمن: هناك عددا من القرى في هذا الوادي قبل مجيء مُحَمَّد بن بكر، وأن قرية العطف نفسها كانت موجودة قبل مجيئه، والذي يبدو من مقارنات أقوال المؤرخين أنه كانت هناك بالفعل بعض المجموعات من المنازل قبل أبي عبد الله لا تبلغ أن تكون قرية، وإِنَّما تشبه أن تكون مشاتي لبعض الأسر يأوون إليها عند اشتداد البرد، ويرتحلون منها بعد ذلك طوال السنة، فهي ليست قرى أو مدنا بالمعنى المتعارف، وإنما هي مقار ثابتة لأسر من قبائل بادية.