الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٧٣الإباضية في موكب التاريخ
الإباضية في الجزائر
وأحسب أننا ننتهي من هذا الحديث الذي طال أكثر مما ينبغي له إلى أن الميزابيين هم السكان الأصليون، والمالكون الحقيقيون لبادية بني مصعب"، بما فيها من هضاب ووديان وسهول، وبما يرعى عليها من ضباب وظباء ووعول فإذا كانت قد وردت عليهم طوائف من الناس، أفرادا أو أسرًا طلبا للحياة الكريمة، أو فراراً من الظلم أو الاضطهاد، فإن تلك الطوائف قد دخلت بينهم وانصهرت فيهم، وذابت في مجموعهم، ولا يغير من هذه الحقيقة أن بعض تلك الطوائف أو الأسر أو الأفراد لا يزالون يذكرون مواطن أجدادهم التي هاجروا منها، أو أنهم لا يزالون يحتفظون بأسمائهم وألقابهم قبل أن يستوطنوا هذه البلاد الكريمة. ومهما راجعت المصادر التي بين يدي وفكرت في أصل الميزابيين، فلست أؤيد أبدًا أولئك الذين يقولون إن الميزابيين هم بقايا "تاهرت" بعد أن خربها العبيديون، هاجروا إلى سدراتة، وبقوا فيها متميزين عن غيرهم، ثُمَّ إنَّهم هاجروا إلى "وادي ميزاب"، فتكون منهم هذا الشعب الذي نتحدث اليوم عنه في اعتزاز المحافظته عَلَى نقاء الإسلام، ولسيره على منهج
المسلمين في خير القرون، لا لانحداره من دماء، ملكية ولا لانتسابه إلى ارتفاعات طبقية.
وَكُل ما يقال في هذا الموضوع: إن بقايا تاهرت من الرستميين -وهم قليل جدا وغيرهم هاجر بعضهم تحت ضغط عوامل اقتصادية محضة في أزمنة متفاوتة إلى "بني مصعب"، فكانوا ضمن العناصر التي انصهرت وذابت فيهم، وتكوّن منهم جميعًا هذا الشعب الذي كان يُسَمَّى إلى مدى قريب بني مصعب، وأصبح اليوم يُسَمَّى "بني ميزاب"، وهكذا انتبهت لتلك "بني مصعب"، الصورة التي وضعها الأستاذ مُحَمَّد علي دبوز في قوله: "كان الميزابيون إلى آخر القرن الثالث الهجري في شمال الجزائر وفي نواح أخرى من المغرب الأدنى والأقصى، فهم الذين أنشأوا في الجزائر أول دولة إسلامية مستقلة"، ثُمَّ يستمر في رسم الصورة فيهاجر بهم إلى "وارجلان"، ثُمَّ إلى سدراتة، ثُمَّ إلى "وادي ميزاب".
وَلَعَلّ الممحاة التي تمسح ظلال هذه الصورة ولا تترك منها إلا الوقائع الحقيقية هي قول مُحَمَّد علي دبوز نفسه في نفس الكتاب ص 159: "وكانت هذه النواحي الميزابية وطنا لقوم من زناتة القبيلة البربرية المشهورة، استوطنوه منذ زمن بعيد فنسب إليهم، وكان هؤلاء الزناتيون منبثين في مكان المدن الخمس، قد نصبوا فيه خيامهم ويبنوا في نواحيه بعض قرى