الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٧٧

الإباضية في موكب التاريخ

313

الإباضية في الجزائر

العهود النار يخية لبني مصعب

أحسب أنني أوضحت بما فيه الكفاية في الفصول السابقة أن الكلمات: "وادي ميزاب"، أرض الشبكة، بادية "بني مصعب". هي أسماء مترادفة لإقليم واحد، كان يسكنه في مبدأ الفتح الإسلامي شعب يُسَمَّى "بني مصعب"، ثُمَّ هاجر إلى هذا الإقليم في مختلف أدوار التاريخ الإسلامي أعداد من الناس اندمجوا به وانصهروا فيه وتكوّن منهم جميعا شعب كريم عزيز أصبح يُسَمَّى الشعب الميزابي أو "بني ميزاب".

إن كلمة "بني مصعب" تحرفت إلى كلمة "بني مصاب"، بقلب حرف العين الحلقية إلى همزة، ثُمَّ جرى تسهيل الهمزة فقيل: "مصاب"، ثُمَّ تحرفت الصاد إلى ضاد لقرب المخارج، ثُمَّ بعد ذلك أصبح الضاء ينطق زايا لقرب المخارج ولخفتها، والقارئ الكريم إذا تصفح كتب التاريخ والسير؛ بل وكتب الفقه يجد أن بعضها تستعمل كلمة "بني مصعب" أو مصاب أو مضاب، ولا تستعمل "ميزاب" أو "مزاب" إلا في هَذه العصور المتأخرة، وأنها حين تنسب

إليه تقول المصعبي. وبناء عَلَى هَذه الحقيقة فإن الشعب الميزابي الكريم هو الشعب الذي تكون من "بني مصعب"، ومن انضم إليهم وانصهر فيهم منذ الفتح الإسلامي حتى الآن. فإذا أردنا أن نتحدث عن تاريخ هذا الشعب في المدى الممتد بين الفتح الإسلامي والعصر الحاضر فإننا نستطيع أن نقسمه إلى ثلاثة عهود متميزة بعضها عن بعض، وأن كل عهد من تلك العهود يشتمل على عدد من الفترات التاريخية التي تربط بينها روابط من الخصائص الاقتصادية والاجتماعية والحركات العمرانية والنشاطات العلمية والثقافية والسمات الدينية والسلوكية، وإن كانت تفصل بينها أحداث سياسية، أو مظاهر اجتماعية فصلا غير سميك.

ولَعَلّى في هذا الفصل أستطيع أن أعرض - بإيجاز - صورًا لكُلِّ عهد من تلك العهود بما يتميز به من مظاهر وظواهر تجعله يُكَوِّن وحدة زمنية واضحة المعالم في عباب التاريخ الطويل.