الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٧٨

الإباضية في موكب التاريخ

314

الإباضية في الجزائر

العهد الأول

العهد الأَوَّل لـ "بني مصعب" في التاريخ الإسلامي يبتدئ من الفتح الإسلامي لتلك المنطقة فيما بين سنة خمسين وستين للهجرة تقريبا، ويمتد إلى نهاية القرن الرابع أو بعده بقليل، حين ورود أبي عبد الله إلى تلك المنطقة، والبدء في تطبيق نظام العزابة. ويمتاز هذا العهد بأن سكان أرض الشبكة قد اعتنقوا الإسلام ببساطة، ثُمَّ سبقت إليهم آراء المعتزلة في الأصول والفروع فأخذوا بها، وطبقوها على أنفسهم في حرص شديد، وحافظوا على نظام حياتهم كشعب يعتمد على تربية المواشي بالدرجة الأولى، وعلى الزراعة الموسمية بالدرجة الثانية. وَرُبَّمَا كانت المرأة عندهم تشتغل بصناعة الفليجة (1) كما عادة أغلب نساء البادية وحاولوا أن يحتفظوا بما عندهم، وأن ينعزلوا عن غيرهم محافظة عَلَى شخصيتهم الخاصة في دينها وخلقها وتفكيرها واقتصادها، وهم يدافعون بحماس شديد كُلّ من يخشون منه التأثير على اقتصادهم أو حرية مواطنهم المترامية، أو عَلَى آرائهم الدينية. ويمكن لنا أن نقسم هذا

هي

العهد إلى ثلاث فترات قصيرة متقاربة متشابهة في أغلب الأشياء متخالفة في أخرى. 1 - الفترة الأولى: تمتد هذه الفترة نحو قرن من الزمان أي من الفتح الإسلامي في الستينات تقريباً إلى تكوّن الدولة الرستمية سنة 160 هـ تقريبا. وقد كان المصعبيون سكان أرض الشبكة في هذه الفترة قد آمنوا بالإسلام، وتقبلوه واطمأنوا إليه واستمسكوا به في حرص شديد. ومع أن هذه الفترة كانت فترة مدّ وجزر بالنسبة للفتوح الإسلامية في المغرب الإسلامي الكبير، وكانت فترة حروب بين المسلمين الفاتحين وبين غيرهم من أصحاب الديانات الباطلة أو المرتدين ممَّن أسلموا قبل ذلك إلا أن هذه الأحوال لم يرد لها ذكر في أرض الشبكة أو بادية "بني مصعب" ممَّا يَدُلُّ أن سكان تلك المنطقة حين آمنوا بالإسلام، قد اقتنعوا به واستقر في قلوبهم، فلم تجتذبهم الدعاية المضادة له، وَلَمْ تؤثر عليهم مساعي

1) الفليجة هي شقة الخباء، والأخبية أو بيوت الشعر مصنوعة من عدد من الفلائج، والفلائج تصنع من شعر الماعز مخلوطاً بوبر الإبل والبدويات غالباً ماهرات في الصناعات المتخذة من الشعر والوبر؛ أما الصوف فلا يهتممن به ولا يجدن صنعه، ولذلك فهو يجلب إلى أسواق الحضر فيباع فيه.