الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٧٩

الإباضية في موكب التاريخ

315

الإباضية في الجزائر

طلاب الزعامة، فلم يشاركوا البلاد المجاورة لهم فيما يصدر عنهم من شغب، وَلَمْ يستجيبوا لطلاب الزعامة فيما يحدثونه من قلاقل واضطرابات.

و في أواخر القرن الأول وأوائل القرن الثاني من الهجرة بدأت تتكوّن الآراء المذهبية ويتميز بعضها عن بعض، وبدأ يحتدم حولها النقاش والجدل، وبدأت تنشأ المذاهب الكلامية والفقهية، وكان حملة الآراء والعقائد لا يقلون نشاطا عن زعماء السياسة، فكانوا يجوبون البلاد يدعون الناس إلى ما يرون ويعتقدون، وكان المعتزلة من أشد فرق المسلمين نشاطًا وأكثرهم حركة، فسبقت آراؤهم إلى هذه المنطقة فتقبلها أهلها واعتنقوها بعضهم عن اقتناع، وبعضهم عن تقليد، وكانوا متأثرين بالحركة العامة للمعتزلة الذين كانوا منتشرين في ذلك الحين في أغل

القطر الجزائري، وكانوا يصاولون في قوة وعنف غيرهم من أتباع المذاهب الأخرى. غير أن الموقف لا سيما عند "بني مصعب" لَمْ يخرج عن محال الكلمة والدعوة، فاستمرت حياتهم هادئة في كامل هذه الفترة.

2 - الفترة الثانية: تمتد هذه الفترة قرابة قرن ونصف إذ تبتدئ بعد منتصف القرن الثاني وتستمر إلى نهاية القرن الثالث، وذلك أن المعتزلة عموما وأهل هذه البادية من أتباعهم قد رأوا أن للمذاهب الإسلامية الأخرى التي تخالفهم في الأصول والفروع دعاة لهم في الحركات والنشاط ما جمع عليهم أعداد كبيرة من الأتباع، وأنهم بدأوا يكونون لأنفسهم دولا، ويركزون مذاهبهم على حكم وسلطان وأن البعض الآخر منها بصدد التكوين، وبدا لهم أن تلك الدول تبحث على السلطة، وأنها قد تحاول السيطرة على بعض البلاد، وتعمل للتحكم فيها، فكتلوا أنفسهم، وتحفزوا للعمل، واستعدوا للدفاع، أو حتَّى للهجوم إذا اقتضى الأمر. ونشأت بالفعل من حولهم ثلاث دول قوية لم يكن لإحداها علاقة بالمعتزلة. فقد نشأت الدولة الرستمية سنة 160 هـ، ونشأت الدولة الإدريسية سنة 172 هـ، ونشأت الدولة

الأغلبية سنة 184 هـ، وكان لكُلِّ دولة من هذه الدول نفوذ على بعض جهات الجزائر. ورغم أن المعتزلة في هذه الفترة بالذات كانوا على أشد ما يكونون من الانتشار في الجزائر، وعلى أشد ما يكون من الدعوة لمذهبهم إلا أَنَّهُم لَمْ يتمكنوا أن يتغلبوا على جهة، أو أن