الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٠الإباضية في موكب التاريخ
316
الإباضية في الجزائر
يستقلوا بها فلم تنشأ لهم هنا دولة، واستمروا في صراعهم مع المذاهب الأخرى أحيانا باللسان وأحيانًا بالسنان.
وَلَمَّا كان معتزلة هذه البادية مرتبطين مذهبيًا مع الأعداد الوفيرة من المعتزلة الذين يحيطون بالدولة الرستمية والذين كانت علاقتهم تتراوح بين الجدل في المجامع والمساجد، وبين القتال والحرب في ميادين النضال، تبعًا لإحساس المعتزلة أنفسهم بما هم عليه من قوة وضعف. وكان لهذا الموقف لمعتزلة الشمال أثره البالغ على سكان بادية "بني مصعب"، وذلك أن إخوتهم في المذهب من أهل الشمال لا يفتأون يحذرونهم من أن المذهب الإباضي يكاد المنطقة. أن دعاته لا يلبثون أن يدخلوا بين صفوفهم ونتيجة للمخاوف التي كان يصورها ويبالغ في تصويرها دعاة المعتزلة، تحذيرًا من الإباضيَّة ومن الدولة الرستُميَّة بالذات. فقد تكون رد فعل عنيف عند "بني مصعب"، واستعداد قوي لمجابهة هذا المذهب وأصحابه، ومحاربة أتباعه ودولتهم إن اقتضى الأمر.
يعم
وكما تتكوّن آراء الشعوب - دائما - في الاندفاعات الأولى حسب أهواء الزعماء والقادة والدعاة، كما يصورون لهم غيرهم من الشعوب وما هم عليه من الآراء والمبادئ. وكما يلقون في روعهم أن مخالفيهم معادون لهم ومضادون أو مزاحمون دون معرفة حقيقية أو تجربة، واقعية، فقد استقر في أذهان "بني مصعب" -وهم معتزلة - أن الإباضية -وهم مخالفون في المذهب أعداء لهم، وخصوم وَأَنَّهُ يجب الاحتراز منهم والبعد عنهم ومحاربتهم إذا دعت الدواعي. وعندما كانت تقع المناوشات بين معتزلة الشمال والدولة الرستمية كان "بنو مصعب" يحسون بالخطر، ويقفون على أهبة الدفاع وقد يذهبون لنجدة إخوانهم بما يتيسر لهم من مساعدة مادية أو معنوية (1).
ومضت هذه الفترة كاملة على المعتزلة عموما وعلى بني مصعب" خصوصا، وهم إما في محاربة فعلية مع بعض الدول القائمة، وإما في استعداد أو توقع لحرب.
1) قال القطب -رحمه الله- في رسالته صفحة 38 ما يلي: وليس أهل هؤلاء القرى إباضية من أول، بل كانوا معتزلة يسافرون إلى تيهرت لقتال الإباضية، وكانت المعتزلة أقوياء في هذا المغرب".