الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٠٨

الإباضية في موكب التاريخ

1.7

نشأة المذهب الإباضي

الإباضية في قيادة الأمة

قلت في الفصل السابق: إِنَّه يحسن بي الآن أن أعود إلى تفصيل حياة هذا المذهب في الأمة الإسلامية، وأثره في مجرى تاريخها الحافل وإلى سيرة أتباعه أفرادا ومجتمعًا.

وقد قلت إن المجتمع الإباضي بناء على قواعد مذهبه كوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوب الولاية والبراءة للأفراد والجماعات، وعدم تمام الإيمان إلا بالعمل الصالح الذي يدعو إليه الإسلام، وَأَنَّهُ لا أمل للعاصي - الذي يموت على معصيته – في رحمة الله.

إن المجتمع الإباضي بناء على هذه القواعد، كان صورة صحيحة للمجتمع النظيف؛ طهارة في العقيدة من الزيغ والبدعة، وطهارة في العمل من أدران المعصية، وطهارة في الخلق بالتحلي بما تحلى به رسول الله له وندب إليه، وتخلق به المؤمنون الصادقون في كُلّ

زمان.

وقد ظلمت الطوائف الإسلامية الإباضيَّة مرتين، ظلمتهم حين حشرهم بعض المؤرخين المغرضين في الخوارج وهم أبعد الناس عن الخوارج، فصدقت تلك الطوائف هذه الدعوى من المؤرخين المغرضين.

وظلمتهم مرة أخرى حين رضيت بهذا الحكم على طائفة من أصدق المؤمنين، دون أن ترجع إلى التحقيق في قواعد هذا المذهب ومستنداتها من الكتاب والسنة، والتحقيق في مدى تطبيق اتباع هذا المذهب لقواعد الإسلام وأخلاق الإسلام، ودعوة الإسلام. ولو رجعت تلك الطوائف إلى التحقيق في هاتين الناحيتين: ناحية العقيدة ومستنداتها، وناحية العمل وتطبيقه لراجعت نفسها وغيرت حكمها، وتبين لها وجه من وجه من الصواب، وأن الحق لم يبد لها في أوَّل الأمر. وقد حاول بعض العباقرة في مختلف العصور أن يتخذ هذه الخطوة فاستبان الرشد، وظهر له الْحَقِّ؛ ولكنه أحجم عن مواجهة الرأي العام الذي يثق فيه بما رأى وظهر له، فاتخذ طريقا