الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٠٩الإباضية في موكب التاريخ
107
نشأة المذهب الإباضي
وسطا، وعبر عنه بالجملة المشهورة التي تناقلتها كتب التاريخ: "الإباضية أقرب الفرق إلى أهل
السنة".
أما أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز فقد كان موقفه أصرح من ذلك وقد وعد الجماعة أن كُلّ يوم سنة ويُميت بدعة.
حزم
(ا)،
يحي وكان من العباقرة الذين حاولوا هذه المحاولة مالك بن أنس، وعبد الملك ابن مروان، وابن الظاهري، والشهرستاني (1)، والطاهر الزاوي - وحسب الزاوي فخرا أن يذكر مع هؤلاء العباقرة الأعلام وغيرهم من الذين اتسعت آفاقهم للفهم والبحث والتحقيق، ولم يقتصروا على إشاعة كاذبة، أو دعوى مغرضة، أو قول ذهب إليه ناس دون أن يعرفوا شيئًا من كتب أصحاب هذا المذهب، ويطلعوا على سلوكهم وسيرهم الاطلاع الكافي الذي يعطي الصورة الحقيقية لإجراء الحكم.
وكما كان الفرد العادي من الإِبَاضِيَّة صورة صحيحة للمسلم الذي يدعو إليه الإسلام، وكان المجتمع الإباضي صورة صحيحة للمجتمع المسلم الذي يقيم شعائر الله، ويحافظ على الله، ويعمل جاهدا لتطبيق أحكام الله، حَتَّى في حالة الكتمان. كذلك كان من تقلد أمر المسلمين من الإباضيَّة صورة للمسلم المخلص الذي وثق به المسلمون، فأسندوا إليه أمور دينهم ودنياهم، فأكبر هذه الثقة من الأمة، وحافظ على هذه الأمانة من الله.
دين
وَلَمَّا كنت لا أقصد أن أتحدث عن التاريخ السياسي للإباضية – ولو أن السياسة لا تفترق عن الدين في الإسلام - فقد يكون مما يتم به هذا البحث أن ألخص الحركة السياسية للإباضية بأشد ما يمكن من الاختصار. انتشر المذهب الإباضي في جزيرة العرب وما جاورها كالعراق ومصر، وفي شمال أفريقيا قبل أن تتكون المذاهب الأخرى، وقد استقر الإباضية على كثير من القواعد والآراء في أصول الدين قبل أن تنشأ مذاهب الأشاعرة، وقبل أن ينفصل واصل بن عطاء عن أستاذه الحسن
(1) راجع القول المتين لقاسم الشماخي (مط) والرد على العقبي للقطب اطفيش (مط)، وللمعة المرضية من أشعة
الإباضية للسالمي (مط).