الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨١الإباضية في موكب التاريخ
317
الإباضية في الجزائر
ويبدو مما يفهم من النتف القليلة التي وردت على السنة بعض المؤرخين أن مواقف "بي مصعب" كانت في أغلبها موجهة ضد الدولة الرستُميَّة، فهم لا يخشون غيرها ولا يهتمون بسواها، ولا يطمعون حسبما يلقى إليهم ويصور لهم في غير احتلال مكانها، والسيادة بدلها؛ ولذلك فهم معها على عداء مستمر. إِمَّا قتال، وَإِمَّا مناصرة لمن يحاربها، وينقم عليها، ومساعدة له ولو بالمال والرأي. وَإِمَّا تحفز واستعداد، فعاشوا قرنًا ونصف قرن في قلق و اضطراب وحرب أعصاب.
وأثر هذا الموقف التحفزي عليهم تأثيرًا كبيرًا، فتضاءل اهتمامهم بالجانب العلمي، واختفت من مجتمعاتهم تلك المجالس الصاخبة التي يثور فيها الجدل، ويكثر الأخذ والرد في بعض مسائل العقائد، وتناقص عدد العلماء وطلبة العلم وأصبحت العلوم الدينية عندهم سواء في أصول الفقه وفروعه - عبارة عن معلومات محفوظة حفظا لفظيًا تنتقل جافة على صورة ميتة، فيها كثير من التحريف والتشويه.
وفي نهاية الفترة ضعف فيهم الاهتمام العلمي والحرص على الثقافة، ولم يبق لهم إلا كيان اقتصادي يُبنى عَلَى تربية الماشية والزراعة الموسمية فرجعوا إلى حياة بدوية تختفي منها جميع صور الحضارة.
ويبدو
أن الصراع الحاد الذي عاش عليه المعتزلة طيلة هذه الفترة قد أثر عليهم جموعا، فتضاءلت مواقفهم في جميع أنحاء المغرب الإسلامي، ولم يعد لهم وجود ملموس. وفي نهاية هذه الفترة قد انقرضت الدول الثلاث التي أشرنا إليها سابقا، فقد اكتسحتها جميعا الدولة العبيدية في نهاية القرن الثالث الهجري، واختفى أيضا الوجود الظاهري لفرق المعتزلة كالواصلية التي كادت أن تكتسح في مبدأ أمرها بعض دول الجزائر عقائديا وعسكريا، وحتى حسبت لها الدولة الرستُميَّة كُلّ حساب فاستنجدت استعدادا للمجابهة واللقاء على ميدان الجدال أو ميدان القتال بعلماء وفرسان "جبل نفوسة".
وهكذا تنتهي الفترة الثانية بـ"بني مصعب" بدورة حول أنفسهم، وترجع بهم إلى مبدأ الحياة التي كانوا عليها عندما بلغهم الإسلام، ما عدا أنهم الآن في نهاية الفترة يتشرفون بالإسلام، وينتمون إلى خير أمة أخرجت للناس.