الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٢

الإباضية في موكب التاريخ

318

الإباضية في الجزائر

3 - الفترة الثالثة: تمتد هذه الفترة نحو قرن من الزمان أي من أواخر القرن الثالث عند انقراض الدولة الرستُميَّة، إلى أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس عند دخول أبي عبد الله بن بكر إلى بادية "بني مصعب".

في أَوَّل هَذه الفترة قد اختفت الدولة الرستُميَّة التي كان بنو مصعب" يناصبونها العداء، كما اختفت الدول المجاورة لها في نفس الفترة، وخضع الشمال كله بما فيه من مبادئ وعقائد ومفارقات ودول لسلطة واحدة هي سلطة الدولة العبيدية، وبذلك بدا لـ"بني مصعب" أن الشمال قد انفصل عن الجنوب انفصالا كاملا، فأصبح معتزلة الشمال وإباضيتهم خاضعين لحكم واحد هو حكم الدولة الفاطمية، وانعدم الرباط الذي كان يربط الشمال أما إباضيَّة الجنوب فأصبحوا هم الآخرون في مستوى معتزلته لا تحميهم دولة ولا

بالجنوب،

يلوذون بسلطان.

فتزعوا إلى موادعة الإباضيَّة، وأمنوا في حياتهم واطمأنوا وانطفأت حرارتهم، وفقدوا في نفوسهم دوافع الحرب للدفاع أو للهجوم وتركوا الاستعداد والإعداد له، ومالوا إلى حياة

بدوية مستقرة.

وَلَعَلِّ أهم ما تمتاز به هذه الفترة الثالثة من حياة الميزابيين الذين لا يزالون إلى ذلك الحين مصعبيين عَلَى مذهب المعتزلة، إنَّما هو الاطمئنان والاستقرار والهدوء والحياة الرتيبة، والانصراف عن مجالس العلم والحرب إلى تربية الماشية ورعايتها في البادية الفسيحة، وأوديتها الطويلة المتعرجة الخصبة، وإلى تكوين علاقات جديدة - وإن كانت محدودة - مع محاوريهم من المناطق الأخرى فيما تقتضيه طبيعة تربية الماشية من ضرورة تتبع مواقع الغيث هنا وهناك، ولا شك أن الأمطار قد تجود في باديتهم وتقل عند جيرانهم فيضطر أولئك الجيران أن يلتمسوا عندهم المرعى بأسلوب من الأساليب، وقد تنعكس القضية فيجدبون هم وتخصب بلاد جيرانهم فيضطرونهم إلى التماس المرعى عند أولئك الجيران بطريقة من الطرق. وَلَعَلَّ مِمَّا سهل ذلك عليهم أن جيرانهم من أصحاب الوادي والواحات قد بقوا غير تابعين لدولة من الدول، فهم يعيشون في نفس الظروف السياسية، فلم يكن أحد منه