الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٣

الإباضية في موكب التاريخ

319

الإباضية في الجزائر

يخشى الآخر، أو يتوقع غزوه؛ فانصرف كُلّ منهم إلى حياته الخاصة يعالجها على

حسب ما اعتاد وعرف من وسائل الحياة. وَلَمَّا كانت بادية بني مصعب فسيحة، وكانت أوديتها خصبة صالحة للمرعى في معظم شهور السنة، وكانت الأمطار في أغلب السنوات إما أن تنزل عليها كلها فتخصب، أو تنزل على بعض جهاتها، أو على أقل تقدير على رؤوس أوديتها فتسيل، وتتكون فيها المراعى فإن بعض جيرانها لاسيما من الجهات الغربية وأصحاب الواحات كانوا يحتاجون إليها أكثر مما تحتاج هي إليهم، فكانوا ينتجعونها في مواسم الخصب ويعودون إلى مواطنهم، وكان هذا الاتصال بينهم يسبب تعارفًا وتعاونًا في بعض الأحيان كما يسبب شعبا ونزاعا في

أحيان أخرى تبعًا لاتساع الخصب والجدب وكثرة الأمطار وقلتها في هذه الجهة أو تلك.، وفي أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس كان مُحَمَّد بن بكر بنظامه الاجتماعي الفريد، وتلاميذه الكثيرين ومدرسته المتنقلة ومواشيه الوافرة، ينتقل بين أودية "آجلو" و "أريغ" و"وار جلان"، وكان أحيانًا ينتجع بادية "بني مصعب"، فيصيب منها ويعود؛ فتكونت بينه وبين "بني مصعب معرفة لم تلبث أن تطورت إلى مودة، حتَّى دفعته سنوات الجفاف إلى الانتقال إليهم، والسكنى بينهم في مدينة العطف، التي يرجح أكثر المؤرخين أنها تأسست سنة 402 هـ. ويرى بعضهم أن نواة المدينة كانت موجودة قبل حضوره، وَإِنَّمَا في الْمُدَّة التي بقي هناك وتجمع السكان فيها وفيما حولها، وكانت -

جعلها مستقراً له

حقيقة هي النواة لهذه الحضارة الرائعة القائمة اليوم في "وادي ميزاب".

بهذا الحديث تنتهي الفترة الثالثة، وينتهي معها العهد الأوَّل من حياة "بني مصعب" في

التاريخ الإسلامي، ويبتدئ العهد الثاني من تاريخ هذا الشعب الكريم.