الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٤الإباضية في موكب التاريخ
320
الإباضية في الجزائر
العهد الثاني
العهد الثاني لحياة "بني مصعب" في التاريخ الإسلامي يمتد نحو أربعة قرون، فهو يبتدئ من أوائل القرن الخامس بعد استقرار نظام العزابة به وبنائه المدن الثلاثة، وينتهى في آواخر القرن الثاني بعد الانتهاء من بناء مدينتي مليكة وبني يزقن والتفكير في الانبعاث. وَلَعَلّ أبرز سمات هذا العهد عند سكان بادية "بني مصعب" أَنَّهُم تحولوا عن آراء المعتزلة واعتنقوا المذهب الإباضي، ثُمَّ إن أخلاقهم البدوية الجافة الخشنة بدأت تلين وتكتسي نوعًا من اللطف والرقة، وأنهم صاروا يفكرون عمليا في تغيير حياتهم من النسق البدوي القلق المتغير إلى النسق التحضري المستقر المقيم، فجعلوا يتجمعون في مدن أو قرى كبيرة ويحفرون - متعاونين- آبارًا عميقة لإقامة زراعة مستمرة تعتمد عَلَى الري الدائم، ثُمَّ أصبحوا يرحبون بمن يهاجر إليهم، فيستقبلونهم بكرم، ويفتحون لهم، صدورهم، ويفتحون لهم أبواب الحياة الكريمة بينهم، ويستفيدون هم من خبرات أولئك القادمين من بلاد مُختلفة في المجالات المختلفة لوسائل الحياة، ولا سيما في مجال الزراعة الثابتة المستديمة. وهكذا استمرَّ هذا الشعب الكريم طيلة هذا العهد في كفاح متواصل من أجل الاستقرار والتحضر، ودأب أبناؤه عَلَى البناء أربعة قرون كاملة لا يفترون ولا يتوقفون، وإن كان اتجاههم في الفترة الأخيرة من هذا العهد قد انصرف إلى جانب مادي غالبا - رُبَّمَا كان - الاهتمام فيه بالمحافظة على الموجود أكثر من الاهتمام بمزيد من التقدم، نظرا إلى الأوضاع القاسية المحيطة بهم، والتي كانوا ينظرون إليها في حذر وخوف وترقب. وفي الإمكان تقسيم هذا العهد إلى ثلاث فترات تتميز كُلّ واحدة منها بظواهر وخصائص أوضح مما في الأخرى، وإن كانت جميعا مترابطة متلاحمة يبنى آخرها على أولها، وينسق السلوك فيها جميعًا نظام العزابة الذي ابتدأ تطبيقه مع أوائل هذا العهد.
1 - الفترة الأولى: الفترة الأولى من العهد الثاني لحياة "بني مصعب" تمتد نحو قرن من الزمان، إذ تبتدئ من أوائل القرن الخامس وتنتهي في أواخره أو أوائل القرن السادس ما بين (400 - 500 هـ) تقريبا.