الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٥

الإباضية في موكب التاريخ

321

الإباضية في الجزائر

وأهم ما تمتاز به هذه الفترة من تاريخ بادية "بني مصعب" أن سكانها قد اعتنقوا المذهب الإباضي بالفعل بدلاً من عقائد المعتزلة، وأنهم سمحوا بالهجرة لإخوانهم الذين اضطهدوا في جهات أخرى، أو ضاقت بهم الحياة لأسباب سياسية أو مذهبية، أو اضطروا للهجرة إليهم تحت قسوة ظروف الطبيعة، كما وقع لبعض سكان "سدراتة" و"وار جلان" و"وادي أريغ"، فتقبلوهم أحسن قبول، وامتزجوا بهم أكمل امتزاج ثُمَّ إنَّهم اتحدوا في عمل جاد متواصل لتكوين حياة حضرية مستقرة في أخصب وديان الشبكة وادي ميزاب"، وَلَمْ ينته هذا القرن حتى تكونت ثلاث قرى كانت نواة لاستقرار الشعب المصعبي أو الميزابي، تلك القرى أو المدن هي: العطف وبدأت تتكون مع أَوَّل القرن الخامس، ثُمَّ بنورة وبدأت تتكون في العهد الرابع من نفس القرن، ثُمَّ غرداية وبدأت في العقد الثامن من نفس القرن.

وَلَمْ ينته القرن الخامس حَتَّى كان في أحد أودية "بني مصعب" ثلاث مدن آهلة بالسكان يقيم بِهَا عَلَى الدوام من انتقل من الحياة الرعوية إلى حياة الاستقرار من "بني مصعب"، ومن هاجر إليهم من مختلف الجهات كما يجعلها بعض من لم يتخلص من حياة البادية ومن تربية المواشي من بني مصعب" مآلا ومرجعاً يقيم بها أغلب فصول السنة، ويلتحق بأنعامه في بعضها حين يكون الالتحاق بها ضروريًا كفصل الربيع لاستخلاص النتاج بأنواعه، فإذا انتهت المهمة رجع إلى تلك القرى ليستقر بها. وقد اتضح اتجاه سكان هذه المدن إلى الاستقرار حينما اعتمدوا في اقتصادهم على الزراعة

بالدرجة الأولى، فكانوا يتعاونون في تفان وإخلاص عَلَى استخراج المياه الجوفية بحفر الآبار التي تكون في بعض الأحيان شديدة العمق، وكان اهتمامهم بالزراعة يزداد يوما فيوما، وكان التحسن في وسائلهم يظهر لهم من خلال المحاصيل السنوية التي تزداد كُلّ عام، ولم يقتصروا على الزراعة بل لقد التفتوا إلى الصناعة البسيطة التي تحتاجها البيئة، وتوجد مواردها الأولية هناك، فمرت أيدي صناعة الآلات الخفيفة المختلفة للزراعة ولاستخراج المياه ولجرف التربة أو نقلها، ولتفتيت الصخور ونقلها، ولصنع قوالب الطين والآجر في بناء الحوائط والجدران، ولاستغلال سعف النخيل وخشبه في الأثاث المنزلى بمختلف أنواعه.