الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٧

الإباضية في موكب التاريخ

323

الإباضية في الجزائر

2 - الفترة الثانية: تَمتَدُّ الفترة الثانية من العهد الثاني نحو قرنين من الزمان، أي من أوائل القرن السادس إلى أواخر القرن السابع.

هذه الفترة تُشبه أن تكون امتدادًا للفترة الأولى، فقد استمرَّ بنو مصعب" في الاستقرار

"

والتركز في القرى التي تكونت في وادي ميزاب"، وشغلتهم الجوانب الاقتصادية فتفرغوا لها وانصرفوا إليها. وبديهي أن اقتصادهم حينئذ كان ينبنى على الزراعة وقليل من الصناعة، وتوالت إليهم الهجرة من مختلف الجهات لما يتمتعون به من أمن وسلام، وبعد عن التموجات الحركية للمغامرات السياسية، ولما ينعمون به من استقرار في أودية خصبة تكفي لإعاشة عدد كبير من السكان إذا أحسن استغلالها، ثُمَّ لوجود تلك الوديان في أمكنة حصينة بعيدة عن أن تكون متعرضة للمناوشات والاعتداءات، وقد استمرت الحياة على هذه الوتيرة وعلى هذا النحو نحو قرنين من الزمان، حتّى كبرت تلك القرى وأصبحت مدنا فسيحة تعج بالسكان وتضيق بهم، وكان السكان لا يزالون يكثرون بمن يهاجر إليهم، وبمن يتحضر منهم ويستقر في تلك المدن فيغيّر مجرى حياته من بداوة ترتبط بالماشية والمطر والكلاً إلى حضارة تزدهر بالزراعة والصناعة والتجارة، وتمتاز بالاستقرار.

وَلَعَلّ أوضح ما في هذه الفترة ظاهرتان.

الأولى: مغامرات الميورقي، فقد ثار هذا الرجل على الموحدين طلبا للحكم، وكان يؤم أطراف المملكة ونقاط الضعف فيرتكب فيها الأفاعيل، ومر بمنطقة الواحات فرب "سدراتة"، وعاث فسادًا وإفسادًا في "وَار جلان" و"وادي أريغ" وما كان في طريقه إلى ليبيا؛ فتسبب بذلك في هجرة أعداد وافرة من الناس إلى بنى مصعب ولا سيما أهل "سَدراتة" فَإِنَّهُ لم يبق أحد بعد فتنة الميورقى، وهاجر أغلب سكانها إلى بادية "بني مصعب"، وبذلك تضاعف عدد السكان في "وادي ميزاب".

11

الثانية: بنو مصعب" أنفسهم في هذه الفترة كانوا متخوفين الأحداث أشد التخوف من التي تجري في جوارهم، وكانوا يتوقعون كُلّ يوم أن يمسهم ما يمس غيرهم، وكان كلما ورد إليهم وفد من المهاجرين المضطهدين من أي جهة كانت نقل إليهم الأخبار المؤلمة عن المآسي