الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٨

الإباضية في موكب التاريخ

324

الإباضية في الجزائر التي تقع على الناس، بسبب حماقات المغامرين وطلاب الحكم، فكانوا يتوجون خوفا أن يلحقهم ما لحق غيرهم، ولذلك فقد اعتصموا بصمتهم ووحدتهم، وفرحوا بكُلِّ من هاجر إليهم باعتباره قوة لهم يستفيدون منها في الدفاع عن أنفسهم لو نزل بهم مكروه. وقد نتج عن هذا بعض الجمود في الجانب العلمي؛ لأن السكان وعلى قيادتهم مجلس العزابة- شغلوا في هذه الفترة بتدبير وسائل الأمن والحيطة وبالاستمرار في تحسين الجانب الاقتصادي، فلم تتغير عندهم الحياة كثيرًا عما كانت عليه في الفترة السابقة، إذا استثنينا جانب ازدياد السكان بالهجرة ازديادا مطردًا، أو التوسع في ناحيتي الزراعة وتمدُّد البناء بطبيعة الانكماش في الوادي، وتضاعف السكان مع ضيق المحال الحيوي الذي يضطرب فيه أولئك القوم للحصول على ضروريات الحياة، أو بعض كمالياتها لو ساعدتها الظروف، وَبِمَا أَنَّهُم بقوا نحو ثلاثة قرون عَلَى نَمط واحد من الحياة، فلم يضيفوا مدنًا جديدة إلى مدنهم الثلاث، وَلَمْ تبرز لهم جهود واضحة متفوقة في الميدان العلمي، وَلَمْ يسجل لهم انطلاق خارج وطنهم المحدود، فقد اعتبر بعض المؤرخين هذه الفترة بمثابة غفوة خفيفة، أو استلقاء للراحة والاستجمام. 3 - الفترة الثالثة: تَمَتَدُّ الفترة الثالثة من العهد الثاني نحو قرن من الزمان، إذ تبتدئ من أوائل القرن الثامن وتنتهي ببداية التاسع، وهي تشبه أن تكون صورة للتمدد والتمطي فوق استعدادًا للنهوض والاندفاع. إن هذا الشعب بسبب ظروف الحياة القاسية التي عاشها طيلة الفترة السابقة - في خوف متوقع من الخارج، وكفاح مستمر لاستثمار الأرض في الداخل كان كأَنه قد استلقى عَلَى الفراش الوثير للراحة أو النوم، وهو في هذه الفترة يتمدد ويتمطى ويمسح عينيه بعد اليقظة ليندفع إلى الكفاح المستمر. لقد انتبه "بنو مصعب من غفوتهم القصيرة فوجدوا أن أعدادهم تضاعفت، وأن المدن السابقة قد غصت بهم حَتَّى لَمْ يعد في إمكانها احتمال للمزيد وهم مضطرون إلى التوسع وزيادة المدن والقرى في باديتهم الفسيحة، وأوديتهم الطويلة، ورغم إحساسهم بضيق المكان في "وادي ميزاب" ورغبتهم في استغلال بقية الأرض فقد آثروا أن يزيدوا قرى قريبة من القرى الأولى؛ لأن صدى المغامرات العدوانية السابقة التي وقعت عَلَى من جاورهم بل عَلَى بعضهم لا يزالون يسمعون صداها في آذانهم. ولأن جميع الظروف المحيطة بهم تدعوهم إلى التجمع لكي لا تفرق المسافات

الفراش