الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٨٩الإباضية في موكب التاريخ
325
الإباضية في الجزائر
بينهم، فيجد فيهم
أصحاب المطامع فرصة للعدوان، ولم ينته القرن الثامن الهجرى حتى تكونت
إلى جوار القرى السابقة قريتان أخريان هما "مليكة" و"بني يسقن".
ويبدو أن أوائل سكان هاتين القريتين كانوا من المهاجرين الجدد الذين وردوا على الوادي فرأوا ما يعانيه من ضغط سكاني، وقدروا أن المدن السابقة أصبحت في حالة لا تستوعب معها أكثر مما فيها، ورأوا أن كُلّ تزايد سكاني فيها يؤثر على إمكانياتها الاقتصادية، فآثروا
أن ينفسحوا بعض الانفساح عن السكان السابقين، وبذلك صار الوادي يتكون من مجموعة سكنية من خمس قرى تشبه أن تكون أحياء من مدينة واسعة؛ فإن المسافة بين أبعد نقطتين من هذه القرى الخمس لا تزيد عن ستة أميال.
وبينما كان وادي" "ميزاب قبل القرن الخامس الهجري مثل زميليه: "وادي زقرير" و"وادي النساء"، كُلّ ما فيه من حياة أنه كان منتجعا لأصحاب الماشية، يؤمونه بعد مسيله في بعض فصول السنة، فأصبح خلال أربعة قرون فقط مركزا لحياة اجتماعية متحضرة، يعيشها شعب امتاز بالإيمان، والإخلاص والجد والمثابرة على العمل الذي لا يتوقف ولا ينقطع، وتكونت فيه مدينة مستبحرة العمران تتكون من خمسة أحياء كُلّ حي منها يحمل اسم قرية، وكما يصح أن يعتبر ذلك الحي حيا من مدينة كبرى، أو ضاحية من ضواحيها يصح أن يعتبر بلدا عامرًا يموج بالحركة والحيوية، وصار الوادي يشتمل على بساتين ورياض غنية الإنتاج، وافرة الغلال جميلة التنسيق متعددة الأنواع، عادلة التوزيع. وبينما كان هذا القسم من بادية "بني مصعب" تجري فيه الحياة العمرانية كما وصفناها في هذه الفترة - وفي الفترة السابقة كانت الجهات الأخرى من البلاد المجاورة كبلاد "سدراتة" و" وارجلان" و"أريغ" و"سوف" و"تجديت" و"واغلانت" و"آجلو" وغيرها تكافح في استماتة من أجل البقاء، بل إن منها من لفظ أنفاسه وهمد إلى الأبد، وذلك بسبب ما تعرض له من العاملين القاسيين هما: 1 عامل الطبيعة من الجفاف وندرة الأمطار، وهبوب رياح الجنوب باستمرار محملة بالرمال الزاحفة لمدد طويلة.