الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١١٠الإباضية في موكب التاريخ
108
نشأة المذهب الإباضي
البصري فتكون من ذلك فرقة المعتزلة، وَكُلُّ ما كان موجودا حينئذ من الطوائف الإسلامية إِنَّما هم بعض فرق الشيعة، وبعض فرق الخوارج، وأهل السنة والجماعة.
عليهم
-
ولست أقصد بأهل السنة والجماعة في هذا الفصل فرق الأشاعرة، فإن إطلاق هذه التسمية خطأ تاريخي جاء متأخرا. وَإِنَّمَا كان يطلق لفظ السنية والجماعة على معاوية بن أبي سفيان وأتباعه؛ لأنهم أنكروا إمامة علي بن أبي طالب وجعلوا سبه على المنابر ولعنه سنة متبعة، فسموا من وافقهم أهل السنة والجماعة (1).
قال المسعودي: "إن أصحاب معاوية ارتقى بهم الأمر في طاعته إلى أن جعلوا لعن علي سنة، ينشأ عليها الصغير ويهلك عليها الكبير، بلعنه على المنابر.
وقال الحاكم: "وَإِنَّمَا غلب عليهم اسم السنية؛ لأن معاوية لما أمر بلعن علي بن أبي طالب، زعم أَنَّهُ سنة، فاستحق هذا الاسم كُلّ من يرى إمامة معاوية حَتَّى قتل -أي: علي -
واستقر الأمر لمعاوية، وانقاد إليه الجميع، فزادوا اسم الجماعة على السنة، فتسموا بها". وقال المنذري في رسالته "الصراط المستقيم ": "وَإِنَّمَا تركوا ذلك الآن؛ لأن عمر بن عبد العزيز كان رجلا مائلا إلى مذهب المصوبين لإمامة عليّ، المانعين من نكتها، وأحسب أني وجدت في بعض الكتب أنه كان دعا من كان في زمانه من الإباضية إليه، فعاهدهم على أن يغير كُلّ يوم منكرًا من مناكر هؤلاء السنية، فحينئذ أنكر عليهم شيئًا بعد شيء حتى أنكر عليهم - لأنه لم يكن أحد في تلك الأزمنة ينكر عليهم مناكرهم إلا الإباضية - لعنهم لعلي فكفوا عنه خوفًا منه لعلمهم لمخالفته مذهبهم ذلك، ولقوة سلطانه عليهم أن كلمة "أهل السنة والجماعة" لا تطلق على مذهب ديني، وَإِنَّمَا كان يتضح
ومن هذا
انتهى.
كانت
تطلق على مذهب سياسي يدعو إليه بنو أمية، ليستخلصوا الخلافة من بني هاشم، وإن هذا المذهب الذي أطلق على نفسه أحب الأسماء إلى المسلمين قد تطرف إلى حد لم يصل إليه أحد فيما أعلم، مما وصلت إليه يدي من أحداث التاريخ تاريخ السياسة أو تاريخ العقيدة، فيجعل أتباع مذهب مهما كان متطرفا سب خصومهم ولعنهم سنة متبعة في كُلّ اجتماع.
(1) راجع القول المتين للشماخي، وقد تشرفت مكتبة الضامري للنشر والتوزيع بنشره مؤخراً.