الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٩١

الإباضية في موكب التاريخ

327

الإباضية في الجزائر

عمرت جميع الأودية التي تكون الجبال الرئيسية لأرض الشبكة، والتي تمثل شرايين الحياة

لبادية "بني مص وانفتح باب للانطلاق السياسي، فأصبح ذلك الشعب المنكمش الذي كان يقبع في مناطق وعرة محصورة من أرض الجنوب خائفا يترقب.

أصبح من ذلك الشعب رجال يناقشون أعقد المسائل السياسية في عصرهم، ويرتادون أرفع الدوائر الحكومية، ويشاركون مشاركة فعالة في تكوين الآراء والتخطيطات لوضعهم السياسي والاقتصادي ضمن الشعب الجزائري الكبير.

وانفتح باب واسع للانطلاق الاقتصادي، فبعد أن كان هذا الشعب يعيش في واحات الجنوب عَلَى حياة مبنية على زراعة بسيطة، وصناعة ساذجة، وتربية ماشية مضطربة، انطلق في هذا العهد إلى ميدان التجارة الحر الفسيح، وصار يُمارسها متنقلا من بلد إلى بلد مكونا أعرافا وتقاليد ونظما، لو وجدت من اهتم بها ودرسها بعمق لاستخلص منها نظريات اقتصادية رائعة في ميدان التجارة، ونتج عن انطلاقهم هذا في ميدان التجارة غيبة طويلة عن الوطن، وانتقال متتابع من مكان إلى مكان (1)، فصار بذلك ذلك الشعب الذي قضى زمنا غير منكمشا في الواحات، منعزلا على نفسه، يملأ مدن الجزائر وقراها، بل وخارج الجزائر بالحركة والنشاط ويتحكم في الاقتصاد العام للبلاد.

قصير

وقد ترتَّب عَلَى هذا الانطلاق خارج الوطن وعلى الغيبة الطويلة عدد من المشاكل درست دراسة وافية، واتخذت لها حلول روعيت فيها جميع الجوانب التي تتأثر بها حياة مجتمع مسلم، فلم يهمل فيها الجانب الديني، ولا الجانب الخلقي، ولا الجانب النفسي، ولا الجانب الاقتصادي، فاستحدثوا في كُلّ قرية بها عدد من تجارهم أو عمالهم مركزا للاجتماع، وهيئة تتولى الإشراف المهني على أصحاب المحلات التجارية، وتقدر أجور العمال وتزود الجميع بالرعاية التي تحمي أخلاقهم ودينهم من أن تؤثر عليها الغربة الطويلة، وتراقبهم مراقبة دقيقة في مهجرهم حتى لا

1) حركة الانبعاث الاقتصادي بدأت في القرن التاسع الهجري بتجارة أولية محدودة، ثُمَّ تأكدت بالاتفاقية التي جرت بينهم وبين خير الدين في أوائل القرن العاشر وتركزت بعد العملية الفدائية في نسف برج "بوليلة"، فأخذت مجالها بالكامل.