الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٩٢الإباضية في موكب التاريخ
328
الإباضية في الجزائر
ينفرط عقد أمتهم، ولا تذوب خصائصها التي تمتاز بها، كما جعلوا مدارس خاصة تتولى تعلـ أبنائهم الذين يعيشون أو يشتغلون مع آبائهم، مراعين أن تكون خطة الدراسة غير متعارضة مع أوقات العمل، ثُمَّ سنوا مجموعة من القوانين والقرارات في شؤون المجتمع والأسرة كان لها أطيب الأثر على حياتهم، وقد نتعرض لبعض هذا في فصل خاص. وفي الإمكان أن نقسم هذا العهد أيضا إلى ثلاث فترات تتميز كُلّ منها ببعض السمات الخاصة
-
بها، أو التي تكون أكثر وضوحًا منها، وهي جميعا مرتبطة بعضها ببعض، ينبني آخرها عَلَى أَوَّلها. 1 - الفترة الأولى: تَمَتَدُّ الفترة الأولى من العهد الثالث نحو قرنين من الزمان، إذ تبتدئ من أوائل القرن التاسع وتنتهي في أواخر القرن العاشر بعد وفاة العلامة أبي مهدي عيسى بن إسماعيل المصعبي.
وأظهر ما تتميز به هذه الفترة أنها فترة دبيب اليقظة في أوصال المجتمع الذي كف عن الحركة في غفوة قصيرة، فلما فتح عينيه ذعر؛ لأنه وجد نفسه واقفًا، بينما ركب الحياة يسير، ووجد محافل العلم عنده ومجالس العزابة خالية من فطاحل العلم وكبار الأئمة، ولا يشغلها غير فقهاء من الدرجة المتوسطة يعتمدون على استظهار القرآن الكريم وشيء من السنة النبوية، ويعتمدون في فقهم على ما حفظوه، ويجدونه مسطورًا في الكتب فينقلونه للناس في جمود ودون تصرف. وقد اعتاد "بنو مصعب من قبل أن لا يخلو موطنهم من كبار العلماء، فأسرعوا إلى استقدام عدد منهم ليشغلوا المراكز الهامة وينيروا الطريق في دروب الحياة المختلفة، ولبى إخوانهم في "جربة" و"جبل نفوسة طلبهم، فجاءهم البعثة العلمية التدريسية من ثلاثة علماء أفاضل، كان أعظم شخصية فيها هو العلامة الكبير الشيخ سعيد بن علي بن بو حميدة بن عبد الرازق بن سعيد الخيري الجربي، فباشرت البعثة حالا، مهمتها وقامت بواجبها أحسن قيام، ووضع الشيخ سعيد الخيري الذي اشتهر بعمي "سعيد" الأسس الأولى لنهضة ذلك الشعب الكريم بعد يقظته، فقد التف حوله جماعة من نبغاء الطلاب فبلغوا عَلَى يديه درجات سامقة من العلم، ووضع شعارًا خاصا للعزابة، وأسس لهم المجلس المعروف بمجلس عمي سعيد، الذي يجتمع فيه رؤساء المدن الميزابية، وتعرض فيه جميع المشاكل فتتخذ لها الحلول مجالس العزابة، وتبحث فيه قضايا جميع المناسبة، وفي ذلك المجلس تصدر القرارات العامة لتنظيم الحياة
الناس.