الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٩٤الإباضية في موكب التاريخ
330
الإباضية في الجزائر
بعض المهاجرين من جهات أخرى بعيدة طلبا للأمن والاستقرار، وبتأسيس هاتين المدينتين العامرتين أصبحت أرض الشبكة، أو ما كان يطلق عليه بادية "بني مصعب" عامرة بحضارة مزدهرة في أهم وديانها الخصبة، بل لقد أصبح "بنو مصعب" على الحقيقة يعمرون كامل باديتهم ويستغلون جميع وديانهم. الظاهرة الثانية ناجمة عن هذه الانطلاقة، فما خرج الكتكوت عن قشرة البيضة، وتمت له الانطلاقة الأولى حتّى تكونت انطلاقة أخرى في الميدان الاقتصادي، وبدأ الناس يجمعون رؤوس الأموال الصغيرة من محاصيلهم الزراعية المحدودة، أو من أثمان مواشيهم بعد بيعها، ثُمَّ ينطلقون إلى الغربة حيث يكونون المتاجر في مختلف البلاد. وقد كانت التجارب الأولى مشجعة رغم ما يكتنفها من صعاب ومتاعب، وأصبح التنافس واضحا بين الشباب المتحمس المتوثب وبدأت نظرة المجتمع التي كانت مقتصرة على تقدير الزارعة ووسائلها واحترام العضلات القوية التي تستثمر الأرض خيرًا من غيرها، بدأت تلك النظرة تتجه إلى تكون اقتصادي مبني على أسس تجارية، وبدأت تبعا لذلك قيمة التاجر الذي يغيب زمنا ثُم يعود بمكاسب تفوق كثيرا مكاسب زميله الذي بقي يشتغل بالزراعة - ترتفع في نظر المجتمع، لا سيما وأن المشاريع العمرانية، والمرافق الجماعية أصبحت تعتمد على التجارة أكثر مما
تعتمد على المزارعين. أَمَّا
الجانب الثقافي فيبدو لي أن هذه الفترة كانت فترة تبادل ثقافي بين "بني مصعب" من جهة وجربة" أو "جبل نفوسة" من جهة أخرى، وأن مجيء عمي سعي سعيد في الفترة السابقة كان بمثابة تشجيع للاتصال الثقافي واستمراره بين هذه البلاد، ولاسيما بين "بني مصعب" و "جربة"، ويكفي للدلالة على هذا الموضوع مجئ طلبة من "جربة" و"نفوسة" للدراسة على أبي، مهدي، كما أن رحيل الشيخ مُحَمَّد المصعبي والد الشيخ يوسف في أواخر القرن الحادي عشر واستقراره في جربة" يقوي ما نراه من حركة علمية نشيطة بين البلدين يتبادلان فيها وسائل الثقافة، وَلَعَلَّ الذي أضفى بعض الغموض عَلَى أهمية البعوث العلمية من "بني مصعب" إلى "جربة" أو "جبل نفوسة والعكس، أَنَّهُ لَمْ تلمع من بين تلك الأفواج
11