الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٩٥الإباضية في موكب التاريخ
331
الإباضية في الجزائر
شخصيات في مستوى عمي سعيد، أو أبي يعقوب يوسف المصعبي (1) مِمَّن يتركون دويا لا
يحضره الزمان ولا المكان.
لقد كانت هذه الفترة هي فترة التحسس لمواضع الأقدام في كُلِّ مَجال من مجالات الحياة، فقد كسرت القوقعة وخرج منها الكائن الحي يستنشق النسيم والعبير، وبدأ ينقص أجنحته ويتطاول بعنقه ليلحق في الأجواء. - الفترة الثالثة: تمتد الفترة الثالثة من العهد الثالث نحو قرن ونصف، فهي تبتدئ من أوائل القرن الثاني عشر وتنتهي في منتصف القرن الثالث عشر كان "بنو مصعب" في العهود السابقة لهذا العهد يسكنون قرى تشبه أن تكون مدينة واحدة وهم يعيشون فيها على حياة زراعية سقوية، أو تربية ماشية يتولى رعايتها رعاة متخصصون ينزاحون بها بعيدا عنهم في مواطن الكلاً، فكان مجال حركتهم بين البستان والبيت والمسجد؛ فالرجل منهم لا يغيب عن أهله إلا فترات قليلة في اليوم، فلم يكونوا يحتاجون إلى الأسفار والتنقل، فإن أبعد نقطتين عن قراهم الخمس لا تزيد عن ستة أميال، فَلَمَّا تأسست مدينتا "القرارة" و"بريان" أصبح السفر ضرورة من الضروريات على أقل تقدير لصلة الرحم بين سكان المدن السبع، ولاسيما في المواسم والأعياد، وكما بدأوا يشتغلون بالتجارة خارج وطنهم وجدوا أنفسهم محتاجين إلى عدة أشياء لا تستقيم حياتهم الجديدة إلا بها، وتلك الأشياء هي التي تكون الظواهر الخاصة بالفترة الثالثة لهذا العهد، ويبدو لي أَنَّهَا يُمكن أن تتلخص فيما يلي:
الظاهرة الأولى: لَمَّا بدأت جماعات التجار ذاهبة آتية بين المدن الكبرى في القطر الجزائري وأراضي الشبكة لاحظ ذلك بعض المغامرين الذين يعيشون على السلب والنهب وقطع الطرق، واستنتجوا أن التجار الذين يعودون من كبريات المدن في الجزائر إلى صحراء الجنوب بعد غياب طويل لا بُدَّ أن يكونوا محملين بكثير من المكاسب، فكانوا يتعرضون لهم في الطريق، وكثيرا ما
ودين
عندما
(1) مما يؤيد هذا الرأي أن عدداً ضخماً من طلاب العلم التحقوا بمدرسة القطب – رحمه الله-، ومنهم رجال فقه أفادوا بلادهم رجعوا إليها، ومن طلاب الجبل لم يشتهر إلا الزعيم سليمان باشا الباروني، أما بقية الأسماء فهي ذاهبة في الاختفاء مع قرب الزمن، ولن يمضي هذا الجيل حتى يغطي الجهل أولئك الناس الذين قاموا بدور هام في حياة الأمة إذا لَمْ تبادر يد غيورة فتكتب عنهم.