الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬٠٩٦

الإباضية في موكب التاريخ

332

الإباضية في الجزائر

كانوا يسلبون أموال الضعاف منهم؛ فتولدت عندهم لذلك فكرة رد الفعل ومجابهة العدوان، فكان المسافرون منهم يتخذون الاحتياطات اللازمة للحراسة من امتلاك السلاح، ومعرفة استعماله عند اللزوم، واستصحاب الحراس الأشداء الأمناء في تلك السفرات الطويلة، وبذلك تكون لهم في هذه الفترة وما بعدها عدد من الأبطال الأشداء الشجعان الذين يخشى قطاع الطرق جانبهم؛ فصاروا يتحاشون قوافل "بني مصعب" ويبتعدون عن طريقها، وأصبح أولئك الحراس كأَنَّمَا يتمهنون حرفة الحراسة، لهم أجور معينة عن كُلّ رحلة من الرحلات بين مدن الصحراء والتل، حتّى تتجاوز قوافل المسافرين مناطق الخطر إلى الشمال أو إلى الجنوب.

الظاهرة الثانية (1): أحس التجار غير الميزابيين في مختلف المدن بمنافسة جديدة خطيرة على ما ظهر لهم فلم يرتاحوا لها، ووقفوا معها موقف المعارضة والرد، ونتج عن ذلك عدد من المشاكل كانت تصل إلى السلطة المحلية بمختلف الأساليب والوسائل، فوجد المصعبيون أنفسهم في حاجة ماسة إلى من يتولى توضيح موقفهم في الحالات الفردية والجماعية، والدفاع عن مصالحهم، وإقناع المستائين من منافسيهم بأن التجارة ميدان حر متسع للجميع، وكما هو صالح للمنافسة وإظهار التفوق والعبقرية الاقتصادية هو صالح أيضا للتعاون والاستفادة المشتركة، وتوحيد الجهود الاقتصاد الوطني على يد التاجر الأمين النزيه، فتكون لهم مجموعة من أفذاذ الرجال في جميع هذه الجوانب، فمنهم من اصطبغ مسلكه بالزعامة السياسية، فكان يتصل بالأجهزة الحاكمة في مختلف أماكنها ومنهم من اشتهر في الميادين الاجتماعية فكان يتصل بالأعيان وكبار التجار لدراسة المشاكل الناجمة عن سوء التفاهم بين الأطراف المختلفة، واتخاذ الحلول اللازمة لها، ومنهم من يقوم بالدعوة إلى التوفيق والمساعدة والتعاون ومنهم من يستخلص النتائج من التجارب ويدرس المواقع واحتياجاتها والأيدي الماسكة بدواليب الحركة وشدتها وتوزيعها، ويتخذ بناء على ما يستخلصه من كُلّ ذلك آراء له يقدم عنها توصيات واقتراحات.

لبناء صرح

يتولى

1) هذه الظاهرة في الواقع في حاجة إلى دراسة متعمقة متغلغلة، وَلَعَلّ أحد الشباب المثقف من بني مصع منه، فتختفي معه كثير من الأسرار والحقائق القيام بهذه المهمة قبل أن يختفي هذا الجيل الذي لم يبق إلا أفراد من

وتضيع إلى الأبد.