الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٩٧الإباضية في موكب التاريخ
333
الإباضية في الجزائر
الظاهرة الثالثة: أحس المصعبيون بناء على انطلاقتهم باحتياجهم إلى عناصر مثقفة قوية من الرجال الأكفاء في جميع الميادين ثقافة تؤهلهم لمراكز قيادية من جهة، وإلى نشر العلم بين كُل الطبقات من جهة أخرى، فعملوا على استجلاب مدرسين أكفاء، وإلى إرسال بعثات علمية تعود إليهم بعد نجاحها، وبذلك تمت الانطلاقة في جميع الاتجاهات على النمط التالي: فقد أمكن الانسجام في البلاد الجديدة التي اختارتها أي مجموعة
الدوائر الحكومية أَنَّهُ يَجب أن تكفل الحرية لهذه الانطلاقة القوية.
الطرق بسبب
منهم
لعلمها، واقتنعت
و فهمت العناصر الحاكمة قيمة هذه الحركة التجارية في البلاد وأثرها على الاقتصاد العام فسمحت لها بالنشاط، وفتحت لها الميادين، وتعهدت لها بالحماية وإن لَم توف لها بذلك، ثُمَّ أمنت اتخاذ الحراسة القوية الذاتية والاعتماد عليها، حتى أصبح لتلك الحراسة نظم وأعراف. وتكونت زعامات اقتصادية وسياسية واجتماعية، تولت معالجة جميع المشاكل الناجمة عن أي وضع من الأوضاع، واتخذت لها الحلول المعقولة المقبولة. ثُمَّ بدأت النهضة العلمية تؤتي ثمارها، فتزود المجتمع بمثقفين ينهضون بأعباء العمل بجدارة واستحقاق، كما تكونت شخصيات علمية مرموقة أصبحت تتمتع بكل احترام وتقدير، لا من المجتمع المصعبي أو الإباضي فقط؛ وَإِنَّمَا من المجتمع الإسلامي في المغرب الكبير كله بما فيه ليبيا، ولعل أبا يعقوب يوسف بن مُحَمَّد أوضح مثال لذلك. وَلَعَلّ من أوضح خصائص هذه الفترة أنه اجتمع فيها ثلاثة من الأعلام، هم: أبو يعقوب المصعبي الذي يعتبر في عصره زعيماً عاماً لإباضية المغرب، وجميع الأوساط العلمية والسياسية في الجزائر وتونس وليبيا تعرف مواقفه وتقدرها له، وقد دافع عن الإباضية في حرارة بلسانه وقلمه في جميع الأوساط الرسمية وغير الرسمية، وحصل على الإعجاب والثقة والتقدير في كل المجامع التي حضرها. وأبو زكرياء الأفضلي الذي يعتبره أكثر المؤرخين مبدأ للنهضة الحديثة، ويرونه موقظ "بني ميزاب" من نوم عميق. وضياء الدين الثميني الذي أرسى قواعد النهضة، ومن مجهوداته انطلقت الحركة العلمية
يوسف بن
مُحَمَّد
الإباضية في الأقطار المغربية الثلاثة، بل إن كتبه أصبحت عدة أصحابنا في المشرق أيضا.