الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬٠٩٩الإباضية في موكب التاريخ
335
الإباضية في الجزائر
الباب الخامس:
صور عن نقود ومردود
عزيزي القارئ في هذا الباب سوف أعرض عليك صورًا من النقد الذي وجه إلى شعب "بني مصعب"، سواء أكان ذلك النقد موجها إلى خلقه، أو إلى سلوكه العام، أو إلى نظامه الاجتماعي، أو إلى آثار إباضية الجزائر في التاريخ، فمن ذلك النقد ما وجه عن سوء نية وجهل، ومنه ما وجه عن حسن نية وسوء فهم، ومنه ما لم يقصد به النقد، ولكنَّه جاء في صورة النقد العنيف، ومنه ما تهمس به الشفاه وتلوكه الألسنة في الخلوات ومنه إحساسات تثور في صدور شباب "بني مصعب" أنفسهم لمعارضة بعض أنظمتهم الاجتماعية، ولكنَّهم لا يجرأون عَلَى البوح بها لرسوخ فائدتها في نظر المجتمع، ولقد حاولت أن ألتقط مشاهد مختلفة لتلك النقود مع الإشارة الخفيفة إلى سوء القصد أو سوء الفهم أو سوء التعبير عن الناقدين، وإلى الغرض من التنظيم، والحكمة في التشديد والمقصد من السلوك، والسبب في وجود الحالة في كُلّ تلك المشاهد عند من خططوا ونظموا وسلكوا، وجمعت كُلّ ذلك في هذه الفصول. وفي حسباني أن الصورة الكاملة لتاريخ هذا الشعب لا تتم إلا بهذه الفصول، وذلك أن التواريخ الأخرى لشعوب العالم إنَّما تعتمد أساسًا عَلَى أداة الحكـ يسقط وملك يتولى، وجمهورية تُمحى وجمهورية تقوم، وجيش ينهزم وجيش
ملك
ينتصر، وقائد يخيب وقائد ينجح. أما تاريخ تاريخ هذا الشعب - في اثني عشر قرنًا من حياته الحافلة فهو مجرد من حاكم ومحكوم ومنتصر ومهزوم وجيش وقيادة، ومع ذلك فقد استطاع أن يحتفظ بحريته ولو كانت غير كاملة أمام جيوش الأعصار الاستعماري الغربي الذي اكتسح كُل دول المنطقة، وحطم جيوشها وسلب حرية شعوبها، وتصرف حتَّى في أوقاف مساجدها، وبلغ به التسلط -وهو الكافر بالإسلام إلى أن يُعين الأئمة والمؤذنين.