الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١١١الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
قلت: إن الإباضية انتشروا في أكثر بلاد الإسلام قبل أن تتكون كثير من الطوائف الإسلامية الأخرى، كفرق الأشاعرة والمعتزلة وغيرها، وبقطع النظر عن المدة القصيرة التي قام فيها الإمام عبد الله بن أباض بأعمال عسكرية لمحاربة الطغيان الأموي، وبقطع النظر عن المدة التي بويع فيها الإمام عبدالله بن يحيى طالب الْحَقِّ، فطهر الحرمين الشريفين من عبث العابثين، أقول: إِنَّه بقطع النظر عن هذه الحركات، فقد قامت للإباضية دول مستقلة في أنحاء البلاد الإسلامية. قامت للإباضية دول مستقلة في عمان وتعاقبت على الحكم فيها إلى العصر الحاضر، وقد بلغت من القوة في بعض عصور التاريخ أن كونت أسطولا يسيطر على البحار، ويتحدى أقوى دولتين في العالم أسبانيا والبرتغال في ذلك الحين.
ومن أراد أن يستقصى ذلك ويعرف ما كانت عليه هذه الأمة المسلمة، من مجد وعظمة، عندما كانت أوربا تغط في نوم عميق، وكانت بقية الأمة الإسلامية رازحة تحت طغيان جبابرة الحكم وعبدة المال من أراد أن يعرف ذلك وأكثر من ذلك فليقرأ تحفة الأعيان للعلامة السالمي، وليطّلع على ما كتبه أمير البيان الأمير شكيب أرسلان، وقد يجد صورا من ذلك في إحدى حلقات هذا الكتاب. حلقة "الإباضية في الجزيرة العربية".
أما
في المغرب الإسلامي وأقصد بالمغرب الإسلامي البلاد الواقعة بين الحدود المصرية والمحيط الأطلسي، فقد قامت فيه أيضا دول للإباضية كانت أمثلة رائعة لما يجب أن تكون عليه دولة مسلمة تحكم بكتاب الله، وتتبع هدى رسول الله، وقد بدأت حركة مكافحة الظلم ظلم الولاة العباسيين في ليبيا عندما كان هؤلاء الولاة ينحرفون عن أحكام القرآن، وتغرهم الحياة الدنيا فيتجبرون ويظلمون وتغرهم سطوة الجاه وسلطة الحكومة فلا يحسبون للشعوب قيمة، ولا يقيمون للعدل، حسابا، ولا يذعنون لما يفرضه الحق على الحاكم والمحكوم. فار الإباضيَّة على الظلم، وبايعوا بالإمامة الحارث بن تليد المرادي، ثُمَّ أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري، ثُمَّ أبا حاتم يعقوب بن حبيب بن حاتم الملزوزي، وقد كان مركز هذه الحركة هو الجزء الشرقي من المغرب الإسلامي؛ أي البلاد التي تمتد ما بين "سرت
و"القيروان".