الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٠١الإباضية في موكب التاريخ
337
الإباضية في الجزائر
المرأة وتقديرها، وجعله جهله بالدين يستجيب لطبعه ويجعل إلفه له دينا، وما وجد آباءه عليه من بدع هو الحق الذي يجب التمسك به ويناضل عنه، ويرمح بالأرجل كُلّ من
يُحاول اقتلاعها ومناهضتها".
ويقول في (صفحة 260) من نفس الكتاب ما يلي: "جاءته -أي أبا زكرياء الأفضلي - امرأة تسأله عن ميراثها من زوجها وكانوا في الجاهلية قبل أبي زكرياء يعطونها النصف، فأخبرها بأنَّه الربع أو الثمن، فثارت في وجهه وقالت: هَذه بدعة في الدين .. هذه شريعة خضراء، فأجابها أبو زكرياء شريعتنا الخضراء خير من جهلكم "الأسود".
هذه بعض الصور من صور متناثرة في الكتاب استوقفتني كثيرا، وكنت متردداً بين أن أسجل ما أحسه نحوها من غربة عن تاريخ الشعب الميزابي، ونبو عن سلوكه وأخلاقه، أو أن أترك ذلك للقارئ الكريم يعرفه المطلع، ويستنتجه الذكي، ويخطئ فيه العادي، وكنت في هذا الموقف يتنازعني عاملان عامل الوفاء لهذا الشعب الكريم، وعامل الوفاء للصديق الوفي والزميل القديم، وقد غلبني العامل الأوَّل لاعتقادي أن زميلي وصديقي مُحَمَّد علي يسره هذا الموقف، وهو يبذل جهوده العظيمة المتواصلة لاستخراج الصورة الحقيقة لشعبه
مني
الكريم نظيفة من كُلّ تشويه، ولو كان ذلك التشويه مما يتناثر من قلم الأستاذ دبوز. يبدو لي لو أن متهجما حقودًا أراد أن يهجم عَلَى "وادي ميزاب". يهجم على "وادي ميزاب" بما يسيء إليه في أعز ما يعتز به لما تهجم عليه بأكثر من هذا، ولو أن خصمًا عنيدًا له حاول تحطيم ذلك البناء الشامخ الذي أقامه الميزابيون في واديهم الأمين منذ أن انبثق نور الإسلام في قلوبهم إلى اليوم، والذي صارع جميع الأعاصير، فمضت دون أن تنال منه، ودون أن ينحني لها لما ضربه باشد هذا المعول، ولما كان لمعوله أثر أسوأ من هذا الأثر، ولا صورة أبشع من من هذه الصورة التي رسمها له الأستاذ دبوز .. وأنا على شبه يقين لو أن هذا الكلام صدر من شخص آخر لانبرى له الأستاذ الدبوز يرد ويصحح ويوضح.
ولا شك أن الأستاذ الدبوز إنَّما صور "ميزاب" بهذه الصورة القائمة في الفترة التي سبقت أبا زكرياء الأفضلي ليوضح للقارئ الكريم مقدار الكفاح العظيم، والجهد المتواصل الذي بذله أبو زكرياء، ولا شك أن أحدًا ممَّن له إلمام بتاريخ الحركة العلمية عند "بني مصعب"