الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٠٢الإباضية في موكب التاريخ
338
الإباضية في الجزائر
لا ينكر فضل أبي زكرياء ولكن من الخطأ أن نعتقد أن أي مصلح يرتفع بقدر ما ينحط الشعب الذي يعمل من أجله.
لقد جاء أبو زكرياء في فترة الركود العلمي لا في "ميزاب" خاصة، ولكن في العالم الإسلامي عامة، ولقد يكون "ميزاب" في ذلك الحين خيرًا من غيره بكثير، ويكفي أن عصر أبي زكرياء مسبوقاً بعدد من العلماء الأعلام، مثل: العلامة سعيد بن علي الجربي، وأبي مهدي عيسى بن إسماعيل، وأبي يعقوب يوسف المصعبي وزملائهم وتلاميذهم. وإن عصرا تعاقب فيه هؤلاء الأعلام الثلاثة في وطن ضيق كـ"ميزاب" لا يمكن أن يكون عصرا ساد فيه الجهل وتغلبت فيه البدعة [إلى هذا الْحَد].
ومهما كان .. فإن الإشادة بالكفاح العظيم الذي قام به أبو زكرياء لا يحمل على المغالاة في تحطيم أمة معتزة بإسلامها ومحافظتها عليه منذ انشرح صدرها للإيمان، فاستجابت لدعوة الله واستقبلت قبلة الإسلام، ولست أدري كيف ساغ للأستاذ الدبوز أن يقول في أمته المسلمة الكريمة: "وكانوا في الجاهلية قبل أبي زكرياء"، إنَّهَا كلمة أبعد من أن تجد مكانها في تاريخ هذه الأمة الكريمة، ولو كتب لأبي زكرياء أن يعود إلى الحياة وفي نفس الظروف التي كان عليها لما رضيها في وصف أمته، بل لما رضي أن يصف بها خصومه في الإصلاح، ولسنا نرضاها نَحن وأحسب أن جميع الميزابيين ومنهم مُحَمَّد علي - ومن يعرف الميزابيين على حقيقتهم في الماضي والحاضر لا يرضى أن يطلق هذا الحكم الجائر على تلك الأمة الكريمة.
لو وصفت بها عادة من عادات الميزابيين، أو بدعة ممَّا قد يكون، أو جماعة معينة محدودة لاحتملناها على مضض، أمَّا هكذا عَلَى الإطلاق فلا يا أخي … فلا وألف لا … إن كلمة "الجاهلية" لا يسوغ أن تطلق عَلَى مُجتمع يؤمن بالله، ويقوم بواجباته الدينية في
حرص وتشدد، ويحافظ في عمومه عَلَى شعائر الله فلا يترك فرضًا ولا ينتهك حدا. ولا يستطيع الأستاذ الدبوز، ولا غير الأستاذ الدبوز أن يزعم بحق أن الشعب الميزابي في تاريخه الإسلامي الطويل، أو في أي فترة من فترات ذلك التاريخ كان قد انحرف عن سبيل