الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١١٢الإباضية في موكب التاريخ
نشأة المذهب الإباضي
وسوف نعرض صوراً رائعة من سيرة هؤلاء الأئمة العظام في إحدى حلقات هذا الكتاب حلقة "الإباضية في ليبيا".
وعندما تضافرت جهود الظالمين للقضاء على هذه الحركة الثورية التي ترمي إلى إرجاع الحكم لكتاب الله وسنة رسوله، وحالوا دونها ودون القيام بما آمنت به ودعت إليه، انبعثت هذه الحركة نفسها في الجانب الغربي من المغرب الإسلامي، فتكونت الدولة الرستمية في تاهرت، وتعاقبت عليها الأئمة: عبد الرحمن عبد الوهاب أفلح أبو بكر، أبو اليقظان، أبو حاتم، وحقق أولئك الأئمة العظام ما يطلب من ولاة أمر المسلمين .. وأحاديثهم وأخبارهم منشورة في كتب التاريخ.
وسوف نستعرض بعض تلك العصور الرائعة في إحدى حلقات هذا الكتاب حلقة "الإباضية في الجزائر".
راجعت ما وصلت إليه يدي من كتب التاريخ، سواء كانت من كتب أهل المذهب أنفسهم، أو من غيرهم من الفرق الإسلامية فما وجدت في سيرتهم إلا ما يشرف في جميع
أدوار التاريخ. إنك لتطالع حروبا طاحنة، ومعارك حامية، وانتصارًا أو انهزاما، وإنك لتجد في كُلّ ذلك. عفة كالتي تعرفها عند الخلفاء الراشدين، احترام لأفراد الشعوب المسالمين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وعدل في الجنود المحاربين، قتل عند ساحات الوغى؛ ولكن لا اتباع
لمدبر، ولا إجهاز على جريح، ولا تعد على أعراض ولا استحلال لأموال الموحدين مهم كانت مذاهبم، وسماح وعفو وعدل عند نهاية الحرب. لَمْ يعرفوا الانتقام بعد الانتصار، فلا
مثلة ولا قطع رؤوس لترسل من بلد إلى بلد للتشفي والانتقام وإظهار البطش والجبروت. حرصوا على أن يقفوا حيث وقف بهم الإسلام، وأن يجعلوا حكم الله وسيرة نبيه ووصايا
الخلفاء الراشدين منارا به يهتدون، وإليه يرجعون.