الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١١٣الإباضية في موكب التاريخ
349
الإباضية في الجزائر
يعتبرون لديهم ميزابيين أقحاحا إلا بعد مضي أربعين جيلا، فالواقع التاريخي ينفيه؛ لأننا وجدنا عائلات كثيرة من مختلف قرى الوادي ولا تزال إلى أيامنا- كانت مالكية فتأبضت، وإنها لتعتبر من صميم الميزابيين، ولا يكاد يستشعر من لا يعرف سابق أمرهم شيئًا، اللهم إلا إذا بقيت عائلة على سيرتهم الأولى من رقة الدين وفسولة الأخلاق فيحترز منهم ا لذلك كما
على
يحترز من الإباضيَّة الأصلاء، إلا إذا كانوا كذلك لا لأجل أنهم كانوا فصاروا. على أن غالب العائلات التي كان أصلها عربيا فتوطنت "ميزاب" كانت غير إباضية فتأبضت، وإنَّها لتعتبر من صميم أبناء "ميزاب" لا فرق بينهم وبين من سبقهم بأجيال، على أننا لو ناقشنا أصل النظرية لوجدناها غير واقعية، ذلك أن الجيل عبارة عن أربعين سنة أصح الأقوال، وأربعين جيلا عبارة عن 1600 سنة، ولم يكن لـ"ميزاب" بمدنه الحالية هذا العمر؛ فالنتيجة أن سكان "ميزاب" ليسوا بميزابيين أقحاح، وهذا تناقض وقضية باطلة من أساسها لا يقول بها أحد حتى المؤلف نفسه على ما يظهر.
يتورعون أن
ولا يبعد أن يكون قد استوحى هذا الزعم من معاملة بعض الجهال العنصريين الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان متعمدا إثباتها كحقيقة تاريخية لحاجة في نفسه على ما أرى؛ لأن مؤرخي الغرب وإن تظاهروا بالتحقيق العلمي وبإنصاف التاريخ إلا أن عسلهم لا يصفو من مغافير إن لم نقل من سم، وغالبهم متشبعون بالروح الاستعمارية يخدمون ركابه بتأليفهم، ولا يزخرفوا نظريات من شأنها أن تحدث الخلاف بين صفوف الأمة عملا بسياسة فرق تسد". ومؤلف كتاب صحراء الجزائر من القواد العسكريين المتشبعين بروح السيطرة والاستيلاء، فلا نكون ظالمين إذا اتهمنا حسن نيته في هذا الميدان، وإن لنا في هذه القطع التي ترجمناها عنه لغمزات، وإن تعمده الإطلاق في عبارته ابتغاء الفتنة كما في رقم 3 ورقم 4 لقرينة على صحة هذا الاتهام، والاستعمار مكيافيلي الترعة مبدؤه: "الغاية تبرر الواسطة" (1). أما أن يكون ما أثبته توماس في النقط التي عُلّق عليها وفيما لم ننقله هو واقع الأمة الميزابية فلا ولا، والتاريخ الْحَقِّ حكم بيننا، والله يقول الْحَقَّ وهو يهدي السبيل.
1) المبدأ عند الفيلسوف الإيطالي هو: «الغاية تبرر الوسيلة» إلا أنه لا تعارض بين ما كتبه الشيخ ومبدأ ميكافيلي.