الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١١٤

الإباضية في موكب التاريخ

350

الإباضية في الجزائر

"ميزاب" في نظر مستغرب

إذا ظن القارئ الكريم أن ما تَدُلُّ عليه كلمة (مستغرب) هو ضد ما تدل عليه كلمة (مستشرق) فهو مخطئ، بل إن المعنى الذي تَدُلُّ عليه كلمة (مستغرب) هو نفس المعنى الذي تَدلُّ عليه كلمة (مستشرق)، فهما كلمتان مترادفتان وَكُلُّ ما بينهما من فرق أن كلمة (مستشرق) تَدُلُّ عَلَى إنسان غربي يحمل فكراً غربيًا، وقلما غربيًا ينطلق بهما إلى الشرق بدعوى خدمة العلم ليمهد للغرب وسائل احتلال جزء من الشرق إما احتلالا عسكريًا، أو فكريًا، أو خلقيا، أو دينيا، أو كُلّ ذلك.

وَأَمَّا كلمة (مستغرب) فهي تَدُلُّ عَلَى أن إنسانًا شرقيًّا ينطلق إلى الغرب بدعوى الحصول على العلم، فيحصل على فكر غربي، وقلم غربي، ينطلق راجعا بهما إلى بلاده في الشرق ليقوم فيهـ بنفس الدور الذي كان سيقوم به المستشرق، موفّراً بذلك عَلَى دول الاستعمار بكل معانيه وعلى مؤسساته تلك المصاريف الباهظة التي كانت تتكبدها لتمويل المستشرقين والمبشرين وأشكالهم بمختلف الأساليب، كما يوفر عليها حدة رد الفعل الذي يحدثه دخول أجنبي إلى مجتمع شرقي ليهدم .. وهكذا يبدأ المعول الهدام الذي صمم - خصيصا للشرق في مصانع الغرب يتحرك داخل الحصن بيد أحد سكان الحصن، يعمل بجد ورتابة معتقدا أنه أدى واجبا، أو حصل على متزلة، أو ملأ فراغاً، وهو إنَّما أدى دوراً، ودخل في (حصالة) واشتغل على فراغ. لقد نجح المستشرقون في مهمتهم أعظم نجاح فيهم استطاع الغزو الفكري أن يتغلغل في رؤوس الشرقيين، والأضرار التي نجمت عن جهود المستشرقين والمبشرين في العالم الإسلامي، كانت أفدح ألف مرة من الأضرار التي تركتها فيه جحافل جيوشهم الجرارة. ولا شك أن الأضرار المادية التي خلفها الاستعمار العسكري قد استطاعت الشعوب الإسلامية أن تتلافاها بعد أن خرج الاستعمار العسكري من بلادها، أما الأضرار التي خلفها المستشرقون في العقائد والقيم والأخلاق والفكر فهي لا تزال تقرع في آذان المسلمين، وقد اختفى شبح أولئك المستشرقين من بلاد الإسلام، ولكن تلاميذهم (المستغربين) وقد احتلوا مكانهم وأصبحوا يسيطرون على أعظم مؤسسات الثقافة والتوجيه، ولا يزالون يواصلون