الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٢٣الإباضية في موكب التاريخ
359
الإباضية في الجزائر
وقفة مع الأستاذ الكفاك
قال الأستاذ عثمان الكعاك في كتابه القيم موجز التاريخ العام للجزائر» (صفحة 206) ما يلي: "أي حظ يكون للأدب العربي في بلاد سكانها بربر وملوكها عجم". عبارة براقة تستهوي القارئ لأوَّل مَرَّة، ويراها حقيقة جديرة بالتصديق، ويؤكدها في أنه بالفعل لا يجد عند الإباضية - سواء في عهد الدولة الرستمية أو فيما
نظر الباحث
بعدها ما ينشده من
الأدب.
فلا مقطوعات في وصف الخمر، ولا مطولات في مدح الملوك عجم، ولا قصص دعارة تروى عن مجالس السمر.
فلماذا هذا؟ أكان السكان بربر والملوك عجم؟ وهل البربر والعجم لا يقولون الشعر؟ وهل كانت الثروة الأدبية عند العرب أكثر منها عند العجم؟ لا شك أن اللغة أية لغة ومنها اللغة العربية - أداة تعبير تكشف عما يختلج في النفوس، وقد امتلك ناحية اللغة العربية عجم وبربر فكتبوا بها الأدب، وكتبوا بها الشعر، وَرُبَّمَا كان المستوى الذي بلغه فيها الأعاجم بما فيهم البربر لا يقل عن المستوى الذي بلغه العرب، والشخص الذي يتكلم العربية بطلاقة ويكتب بها بسهولة مهما كان جنسه لا يعجزه أن يقول بها الشعر إذا وجدت عنده الدوافع النفسية لذلك. ولكي أؤكد هذه الحقيقة أستطيع أن أقول إن الإباضيَّة قد زاولوا الشعر واستخدموا اللغة العربية، بل وطوعوها في بعض محاولاتهم، لقد قالوا شعرًا جيدًا في الحكم، وقالوا شعرا في الرثاء، واستخدموا الشعر في مجال العلم، فنظموا المتون الطويلة في الشرعيات أصولا وفروعًا، وبلغت الأراجيز عندهم إلى خمسين ألف بيت (1)، وبلغت القصائد الأخرى إلى ثلاثمائة بيت فهل يرى القارئ الكريم أن الشخص الذي طوّع اللغة العربية بهذه المقدرة فنظم بها مئات الأبيات في مادة جافة جادة ومصطلحات محددة معينة، يعجزه ينظم
جيدا
أن
1) من آخر من نظم في هذا الباب الشيخ الحاج يوسف بن حمو اليسجني، فقد نظم أبواب الفقة في ثمانية وأربعين ألف بيت، وهو بربري إباضي.