الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٢٤الإباضية في موكب التاريخ
360
الإباضية في الجزائر
قصيدة في ميدان الشعر، يتغزل فيها بجارية، أو يصف فيها عربدة سكران، إذا وجدت دوافع ذلك في نفسه، وجرت أحاسيسها في خاطره.
إن الملوك الذين يقول عنهم إنهم عجم، يقول هو نفسه عن بعضهم إنَّه فسر القرآن الكريم، ويقول عن آخر إن له مؤلفات ورسائل هامة، ويصف ثالثا بأنه قال شعرًا رائعا في النصائح والحكم، ويصف رابعًا بأنَّه يُحِبُّ الشعر والأدب وأخبار الماضين؛ فهؤلاء أربعة من ستة من ملوك الدولة الرستمية الأعاجم.
فهل يُعجز هذه الطبقة بهَذا المستوى أن تقول الشعر، أو تكتب في الأدب باللغة العربية إذا وجدت الدوافع في أنفسهم؟ لا أحسب أن شخصا يصدق أن الأعجمي إذا بلغ علمه بالعربية إلى ما بلغ إليه هؤلاء لا يستطيع أن يقول الشعر، لا لشيء إلا أَنَّهُ لَم يولد في نجد
أو تهامة. والدليل على صحة هذا أن أفلح أحد هؤلاء الأعاجم عندما وجد الدافع في نفسه قال شعراً لا يقل جودة عما قاله غيره من الفحول بشهادة الأستاذ عثمان الكعاك نفسه. ولا شك أن العرب أنفسهم العرب الحقيقيين الذين ولدوا في جزيرة العرب، والذين الوحيدة، وبالسليقة لم يكونوا كلهم شعراء، ولم بالأدب إلا عدد يسير، أي أَنَّهُ لَم يشتغل منهم بالشعر والأدب إلا أولئك
كانت اللغة العربية هي
أداة تعبيرهم
يشتغل منهم الذين وجدت في أنفسهم الدوافع.
وبناء على هذا، فنحن نرى أن عدم ازدهار الأدب والشعر عند الإباضية عموما، وفي عهد الدولة الرستُميَّة خصوصا، لم يكن صادرًا عن عجزهم عن اللغة العربية؛ لأنهم عجم أو بربر.
بل لَعَلِّ البربر والعجم من الإباضيَّة كانوا متمكنين من اللغة العربية أكثر من غيرهم، أو على الأقل أكثر من كثير من الذين كتبوا بها ونظموا الشعر .. لذلك فيجب أن نبحث عن أسباب عدم ازدهار الأدب عندهم في غير العجز اللغوي.
لقد قلت إنهم حين وجدت عندهم الدوافع وأرادوا أن يقولوا الشعر في الحكم والزهديات والرثاء، قالوا وأجادوا وتركوا في هذا الباب تراثًا قيمًا عَلَى مختلف العصور،