الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٢٦الإباضية في موكب التاريخ
362
الإباضية في الجزائر
الحجر؟ أو يعوزهما الحصول على ريشة ولون وسطح يصلح للرسم، فعجزت عن النحت والتصوير لعدم وجود الأداة.
إن من يقول مثل هذا الكلام لا شك أنه يغالط البديهيات، والواقع أن عدم ازدهار النحت والتصوير في الدولتين السابقتين، إنَّما هو انعدام البيئة التي تتطلب النحت ويعيش فيها، وتتطلب التصوير ويعيش فيها، ثُمَّ عدم وجود الدافع في نفوس الفنانين وعدم إحساسهم به.
رُبَّما أوضح لنا المثال السابق ما نقصده في الحديث. إن الأدب والشعر بصفة خاصة لم يجد عند الإباضيَّة بيئة صالحة له يعيش فيها، ولم يجد دافعا في نفوس أهله وإحساسا به فلم يكن ..
ولعل القارئ الكريم يريد أن يعرف صورًا من البيئات التي يعيش فيها الأدب والشعر، وأمثلة للدوافع والأحاسيس التي تبعث الشعر من أفواه الشعراء، فإلى القارئ الكريم ما يلي: لم يتخذ الملوك العجم كما يقول الأستاذ الكعاك في الدولة الرستمية مجالس للسمر يطوف فيها الغلمان بالكؤوس المعتقة، وتغني فيها الجواري بالأصوات الساحرة، وتتناجي فيها العيون باللغات الصامتة وتهتز فيها الخصور والأرداف بالحركات الخليعة الماجنة وتنطلق فيها كفا الملك إذا لعبت به الخمرة وأخذته النشوة تنشر الدراهم والدنانير دون حساب، هذه بيئة صالحة يعيش فيها الأدب والشعر، والدراهم المنتشرة والخمور المعتصرة، والخصور غير المتزرة دوافع لتحريك الشعر في نفس كُلّ متلهف إلى المال أو إلى الجمال أو إلى الجريال، وَكُلُّ هَذه الأشياء لم تكن في تلك الدولة التي ملوكها عجم وشعبها بربر، فلم تكن البيئة ولا الدوافع.
وبيئة أخرى صالحة للأدب والشعر لم تكن عند الإباضية البربر والملوك العجم، وذلك أن المجتمع الإباضي المتزمت لَم يسمح للمرأة الإباضيَّة أن تنطلق خارج بيتها تغترف الماء من النبع أو تجني الثمار من الأجنة، أو تقطف الزهور من الحدائق، أو تنشق النسيم العليل بين الزنابق والورود؛ فيلتقي بها شاب جميل ظريف يذكر لها أَنَّهُ أحبها من أول نظرة، وهام بِهَا من أَوَّل خطرة، ثُمَّ يقول وتقول ويومئ وتومئ وتتغنج وتتحرك وتتزايل وتتمايل ثُمَّ تتدلل