الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٢٧

الإباضية في موكب التاريخ

363

الإباضية في الجزائر

وتتمنع وتنشأ وتنشأ عن أخرى صالحة للأدب والشعر فيها دوافع للقول لم توجد عند الدولة الرسمية ولا المجتمعات الإباضية، فلم يزدهر فيها الأدب ولم ينبع فيها شعر، ولم يسمح المجتمع الإباضي المتزمت للصبية الحسناء أن تنطلق وراء البهم تجري بها بين مشارف الأجنة وضفاف الأودية، فيلتقي بها شاب قوي العضلات، واضح التقاسيم يرعى قطعانًا من الماشية، فيلقي إليها بالكلمة الغزلة الرقيقة تستجيب لها أحاسيسها، ويمتنع في الأَوَّل حياؤها، ثُمَّ لا يزال حَتَّى يعزف لها فتستجيب وتجلس إلى جانبه يداعبها الأمل، ويربطها الغزل، وتفصلها النجوى عن عوالم الناس حَتَّى يستفيض خبرها ويبلغ إلى الأهل فتمنع الفتاة عن الخروج، ويبدأ الشعر ينطلق من أصدقهما حبا وأكثرهما لوعة .. هذه بيئة ودوافع لم يكونا موجودين في المجتمع الذي وصفه الكعاك بأنه أعجمي بربري لا يستطيع أن يقول الشعر، ولا أن

ذلك قصة تُحكى، وأشعار تروى وغزل يستفيض ويحفظ، هَذه بيئة

بالأدب.

يهتم

إن الملوك الذين وصفهم الأستاذ الكعاك بأنهم أعاجم، والذين حكموا الإباضية في المغرب الإسلامي لم يتخذوا لأنفسهم عروضًا في قصور محجبة لا يصل إليها عن طريق الحاشية إلا شاكر نعمة حقيقية أو وهمية، أو شاعر متكسب يدفع البيت من الشعر بميزانه من الذهب وعلى قدر ما يزداد كذبه عَلَى نفسه ويزداد كذبه على الملك الذي يمدحه تزداد قيمة القطعة أو القصيدة الشعرية.

هَذه أيضًا بيئة لم تكن، وَإِنَّمَا كان أولئك الملوك العجم المساكين يجلسون على الحصر في المساجد، ويتصلون بالناس جميعًا، ويتلقون مشاكلهم مشافهة ومباشرة. وهنالك بيئة أخرى أيضا قد تكون صالحة للشعر، وقد يكون فيها دوافع لقوله، ولكنَّها أيضا لم تكن عند هؤلاء الناس، فلم يوجد عند الإباضية أوقات من الفراغ يتجمع فيها الناس للهوى البريء أو غير البريء يتخلون فيه عن الجد والوقار ساعة من ليل أو نهار، وتنطلق فيها نفوسهم في عبث مستمر ضاحك لاعب كلعب الأطفال يجد فيه الشعر متنفسا

له وتعبيرا عنه.

إنهم كانوا أكثر جدية من كُلّ ذلك.