الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٣٣

الإباضية في موكب التاريخ

الإباضية في الجزائر

المختلفة

بنو مصعب والغرية

إن "بني مصعب" - في العهد الثالث من تاريخهم الإسلامي- بدأوا يخرجون من القوقعة، ويخرقون السياج الذي ضربته الطبيعة حولهم من جبال حاصرة مانعة، ثُمَّ ينطلقون إلى الأنحاء من القطر الجزائري يحترفون التجارة. كان انطلاقهم في مبدأ الأمر على نطاق ضيق يشبه أن يكون تلمسا لمنفذ، واستطلاعا لمجهول، وكان يتم على سبيل الطموح الفردي والتجربة الشخصية، فنجحت التجربة في الميدان الاقتصادي نجاحًا باهرًا بالنسبة إليهم، وبالنسبة للحركة الاقتصادية العامة للجزائر، وبالنسبة للدولة التركية الحاكمة في ذلك الحين؛ لأن مداخلها ازدادت بنسبة ملحوظة. وأصبح مع الأيام كُلّ الشباب المصعبي يتطلع إلى اليوم الذي يفارق فيه المسحاة والدلو والمنجل ويغادر هذا المجتمع الذي يرى أنه يحيا فيه حياة رتيبة مكررة يومية، إلى بلاد "التل (1) كما يسمونها ليعود بعد سنوات من الغُربة منتفخ الجيوب بما كسبه من عمله في التجارة خارج وطنه، فيجد مواطنيه قد التفوا حوله يعاملونه بكل تكريم واحترام وإعزاز، ترمقه عيونهم بالإعجاب، وتصغي إليه آذانهم متشوقة إلى سماع قصة مغامرته الناجحة، وتهفو إليه قلوبهم بالمحبة والعطف والشوق. وعندما تزايدت هذه الرغبة الجامحة في الانطلاق خارج الوطن، وأصبح شباب كل قرية يتنافسون عليها، ويتسللون من البلاد باستمرار فصارت الأيدي القوية الأمينة تنقص يوما عن يوم في الوطن، بمقدار ما تتزايد في غيره؛ فخشي المفكرون والمصلحون أن ينتج عن ذلك عدد من المضار والمشاكل تلحق بالوطن نفسه، فسارعوا إلى دراسة الموضوع بجملته، وإلى التعرف على المشاكل المتوقعة التي سوف تنجم عن هذه الحركة فاتخذوا لها الحلول المناسبة قبل أن تخرج من أيديهم، فتستعصي عليهم فلا يستطيعون وقفها، ولا الحد من آثارها. ولَعَلَّنا نستطيع أن نعرض بعض تلك التخوفات أو المشاكل التي كانوا يخافون منها على وطنهم وأمتهم إذا- هم أطلقوا الحبل عَلَى الغارب، وسمحوا لكُلِّ راغب في الهجرة أن يهاجر، -

(1) أي مدن الشمال الجزائري. (المراجع)