الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٣٨الإباضية في موكب التاريخ
374
الإباضية في الجزائر
وَلَعَلِّ أستاذنا الشيخ باكلي عبد الرحمن -حفظه الله ورعاه- أعرف بالموضوع وأدق تعبيرا؛ فإلى القارئ الكريم ما قاله إحدى إجاباته عن أسئلتي في الموضوع، قال: "وللأخذ بتلابيب هذه الحركة الواسعة كانوا في المراكز الرئيسية جماعة، أو جامعة تدعى (جماعة الحرفة) لها الكلمة المسموعة لدى السلطة الحاكمة هي أشبه بالنقابة اليوم تفض المشاكل التي تقع بين العمال ومستخدميهم، وتقدر الأجور، وتوجد العمل للعاطلين ترجع المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا إلى وطنهم، وقد بلغ بها الأمر أحيانًا أن تطرد الكسالى المتسكعين
المتهتكين الذين يسودون وجه الأُمَّة عَلَى يد السلطة التي لا تردد في تسويغ ما ارتأته صالحا بهم. اتَّخذوا لهم في كُلّ بلدة تعتبر كمركز للحركة الاقتصادية من البلدان التي يكثر عليها توارد التجار الميزابيين، إِمَّا دارًا لتزول المسافرين الميزابيين من الإِبَاضِيَّة مَجانًا يطلق عليها "دار العرش"، وفيها قاعة للصلاة ومجهزة بالمرافق ووسائل الطهارة، وعليها قيم وطباخ في آن واحد يغنيهم في أكلهم عن الاحتياج إلى الخارج، وَإِمَّا مسجدًا للصلاة، ورُبَّما كان في عمارة ذات شقق لتزول المسافرين الميزابيين من الإباضية، ومقبرة لدفن موتاهم محصنة ومحروسة، فيها مكان فسيح لاجتماعاتهم العامة، لاسيما في الأعياد والمواسم، ولقد أضافوا إلى كُلّ ذلك في هذا العهد الأخير مدرسة بكُل بلدة تكثر فيها ناشئتهم .. ولو ذهبنا نعد المساجد وديار العرش والمقابر والمدارس التي أنشأوها لبلغت العشرات؛ عَلَى أَنَّهُم لَم يقتصروا على الجزائر، بل أبعدوا النجعة إلى القطر التونسي، فكان لهم فيها مثل هذا النظام وإلى المغرب، وحتى إلى فرنسا؛ إذ نشطت فيها حركة التجار الميزابيين فأنشأوا مراكز تجارية معتبرة، بله أفواج العاملين منهم في شتّى الميادين الاقتصادية، وسوف لا يلبثون - إن شاء الله – أن يتخذوا لهم في المغرب وفي فرنسا (1) ديارًا عَلى غرار مالهم في الجزائر وتونس، وما ذلك على همتهم ببعيد. بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك إلى الأماكن المقدسة، كجدة ومكة، ومنى، والمدينة، فكان لهم في كُلّ منها دار رحبة تسع المئات، تأوي حجيجهم، فلا يتعرضون للإهمال والإهانة كما يتعرض كثير غيرهم في مواسم الحَجِّ، تامة المرافق التي تيسر العبادة وتضمن الراحة.
1) لقد تحققت هذه الأمنية فأصبحت لهم في باريس دار رحبة فيها قاعة فسيحة للصلاة والاجتماعات، وعدد من الغرف لتزول الأضياف مجهزة جميعاً بِكُلِّ المرافق.