الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٣٩الإباضية في موكب التاريخ
375
الإباضية في الجزائر
ولقد أكبر جيرانهم فيهم هذه الهمة العالية، والنظام المحكم الذي أكسبهم بل أكسب الجزائر جمعاء- إعجاب الطوائف الإسلامية بأسرها، وما كانوا يستطيعون بلوغ هذه
الأهداف لولا تعاونهم وتضامنهم وبذل محسنيهم بسخاء في هَذه الميادين المشرفة، ألهِم الأمة المحافظة على دينها ووحدتها وشرفها. هذا، وقد كان للإباضيين في عاصمة الجزائر عَلَى الأخص التي أخذوا يهاجرون إليها أول الأمر للاكتساب والاحتراف مكانة لا تنكر، ونظرًا لمكانتهم في عين الدولة التركية فقد خيرتهم (1) في المهن التي يودون احترافها فاختاروا أسلمها، تبعة وإن كان لها خطرها في نظر الدين كالقصابة مثلا، لهذا أعطى لهم امتياز مذبحة العاصمة يشرفون عليها، ويتولون هم تعيين
الذباحين فيها، ورفض من لا يليق منهم لذلك، ودام لهم هذا الامتياز إلى عهدنا الأخير". (جـ) تحديد مجالات العمل: كان من أهم نقاط التنظيم الحرفي الذي اتبعه "بنو مصعب" في توجيه أبنائهم في بلاد الغربة هو تحديد مجالات العمل، فلم يسمحوا للإباضي المغترب أن يزاول في ديار الغربة عملا يدر عليه كسبا كيفما كان، وَإِنَّمَا حددوا مجالات العمل بناء على فلسفة انبنى عليها كُلّ تخطيطهم لحياتهم في ديار الغربة، فحرصوا أن تكون تلك المجالات مما يتيسر فيه العمل الجماعي، أي أنه يقوم على تعاون مجموعة من الناس تسيرهم أنظمة ثابتة، وبأن تتوفر في ذلك المجال صورة للبيئة التي كانوا يعيشون عليها في بلدانهم، وأن تكون تحت الإشراف المستديم، وأن تكون بعيدة عن تناول ما يحرم، وأن تكون من طبيعتها تدعو إلى التجمع والتكتل، وأن تكون مما يتيسر فيه تنظيم الوقت؛ فحددوا العمل عندهم ثلاث مجالات: التجارة بالدرجة الأولى، ثُمَّ الصناعة ثُمَّ الحمامات، واحتكروا لأنفسهم القصابة المركزية في الجزائر العاصمة، ولم يسمحوا لأبنائهم بالعمل في الزراعة خارج وطنهم، سواء أكانت بامتلاك المزارع، أو
1) عندما نسفوا برج (بوليلة) الذي أقامه الإسبان لضرب مدينة الجزائر أراد الداي أو الوالي مكافأتهم على عملهم البطولي، فخيرهم في المهن التي يرغبون أن تكون لهم بالأولوية فطلبوا منه استمرار تأمين تجارتهم حسب المعاهدة التي بينهم، وطلبوا احتكار قصابة الجزائر لهم، وأولوية إنشاء الحمامات راجع إن شئت زيادة في التفصيل فصل "الإباضية والجهاد في سبيل الله".