الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٤٠

الإباضية في موكب التاريخ

376

الإباضية في الجزائر

بالعمل عند المزارعين أو المعمرين، ولم يسمحوا لهم أيضا أن يقوموا بالأعمال البدنية في المنشآت أو الموانيء أو غير ذلك من المجالات الكثيرة التي يجد فيها الأفراد مجالا للكسب، ونظرتهم في هذا -رغم سوء فهم بعض الناس لها واعتقادهم أن الإباضية يحتقرون أنواعا من العمل البدني - أنهم يحرصون بالدرجة الأولى على دينهم، وبالدرجة الثانية على وطنهم، ولا يسمحون أبدًا لأي فرد أو أي عمل أن يؤثر على أحدهما، ولو أطلق العنان للناس يشتغلون كما يشاءون، وأنى يجدون العمل لصعب الاتصال بهم وتجميعهم فانفرط عقدهم، وتورطوا في سلوك يبعدهم عن أوطانهم فيهجروها، ولو سمح لا سيما لأغنيائهم بالاشتغال بالزراعة لاستطاعوا أن يملكوا خارج بلادهم وينجحوا في ذلك، ثُمَّ ينتقلون إليها ويكون ذلك من أسباب القضاء على وطنهم، وهكذا استعرضوا جميع مجالات العمل فلم يجدوا في تلك المجالات كلها ما يوافقهم غير تلك المجالات التي يستطيعون أن يكونوا فيها خلايا خاضعة للتنظيم، فيوجه الشاب منهم إلى التجارة، فإذا حال دون ذلك أسباب وجه إلى الصناعة فإذا حال دون ذلك حائل - وهذا الحائل لا يكون إلا من قبل الشخص نفسه بأن كان مستواه الفكري لا يساعده على احتراف التجارة والصناعة، ويكون ممن ليس له مورد كاف في وطنه فيوجه إلى العمل في حمام؛ وذلك لأن الحمام لا يحتاج إلا إلى صحة وطاعة وانضباط، والحمام نفسه يسير بنظام دور التجارة، أي أَنَّهُ عَلَى نمط الخلايا في التجارة والصناعة، يتعاون فيه على العمل مجموعة من الناس منهم شركاء يتعاقبون على إدارة المحل، عمال يتناوبون القيام بأعماله ومهامه، ويقوم كُلّ حمام مقام متجر كبير يحتوي على

ومنهم

عدد من الصناع، فهو لا يختلف من وجهة نظرهم عن المتجر أو المصنع إلا في التوقيت. أما الحصول على امتياز قصابة الجزائر أو احتكارهم لها دون غيرهم فالدافع إليها دافع ديني محض؛ فهم قد لاحظوا أن بعض القصابين لا يحسنون الذبح، أو هم يستخفون بعملية الذبح فخشوا أن يطعموا عن غير قصد ما حرم بسبب سوء الذكاة؛ فطلبوا احتكارهم لها وتَم لهم ذلك، وهم لا يتولون اللحوم، وَإِنَّمَا كُلّ ما لديهم هو الإشراف على المركز الرئيسي بيع وتسييره وإسناد عملية الذبح لمن يحسنها منهم أو من غيرهم.

الله