الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٤٥الإباضية في موكب التاريخ
381
الإباضية في الجزائر
أجل ذلك منة طول عمره؛ وَإِنَّمَا تستقبله دار نظيفة أعدت خصيصًا لسكناه وسكنى أمثاله، بها قاعة لإقامة الصلاة تذكره خمس مرات في اليوم بواجبه نحو ربه، وهي مزودة بكلّ المرافق، وقد حرص المجتمع أن يكون في تلك الدار قيم يسهل على الطارئ الجديد مؤنة الطبخ، وجلب مواد الغذاء، ويتولى مساعدته في جميع ما يحتاج إليه حتى يستقر في عمل أو ينتقل إلى بلد آخر، ثُمَّ إن هذا الطارئ الجديد على المدينة لا يترك لنفسه، مهملا يطرق الأبواب بحثا عن العمل تتقاذفه ظروف الحياة بين الناس، وإنما تستلمه منذ وصوله هيئة شبه مسئولة فتعرف منه اتجاهه وخبرته في أنواع العمل واستعداده لأدائها، ومقدار رأس المال إن كان له رأس مال؛ فإن كان صاحب مال ويريد افتتاح تجارة، أو مشاركة فيها، يسرت له ذلك وساعدته عليه وأرشدته إلى النوع الذي يتوقع نجاحه.
وأَمَّا إن كان يريد العمل بجده وجهده فإن الهيئة تبحث له عن مكان مناسب في بعض المجالات المحددة حسبما سبق، والهيئة بطبيعة وجودها ومعايشتها للأوضاع الاقتصادية في تلك المدينة تعرف جميع الأماكن الشاغرة، ونوعية العمال المطلوبين لكلِّ منها، فإذا رأت المكان المناسب له وضعته فيه وقدرت له الأجرة المناسبة فرضًا عليه وعلى رَبِّ العمل وكلما تقدم في إدراك أسرار المهنة والإجادة فيها تقدم أجره ثُمَّ يضاف الزائد من أجره على نفقاته، فيضاف إلى رأس مال المحل حتّى يصبح بعد فترة معقولة شريكا في تجارة ذلك المحل، وقد يفتح له فرع جديد في جهة أخرى يتولى هو وبعض الشركاء الآخرين إدارته. وإذا لم يتسع له في تلك المدينة مجال للعمل اتصلت تلك الهيئة بهيئة أخرى في بلد آخر حتّى ينفتح له مكان في إحدى المدن، فينصح بالذهاب إليه لتستقبله نفس الظروف، فينزل في البيت المعد، وتتولاه الأيدي الحانية حتّى يلتحق بعمله الجديد وأجره المقرر. فإذا كان الرجل ممَّن لا يحتمل الغربة، أو ممن لا يقدر على العمل لأسباب بدنية أو أسباب فكرية، أو ممن يريد أن يتهرب من مجتمعه المحافظ ليدخل في المحيط الواسع فيذوب في الأخلاق الفاضلة التي يحرصون عليها اتخذوا موقفهم لإرجاعه إلى بلده ولو كان كارها، خوفًا أن يضيع منهم فرد ومجتمعه في حاجة إليه، وخوفا أن تتشوه الصورة الجميلة التي يحافظون عليها لشعبهم، فإذا التحق أحدهم بعمل سواء أكان عملا في محل
الكثرة، ويشذ عن