الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٤٩الإباضية في موكب التاريخ
385
الإباضية في الجزائر
المرأة الميزابية والغربة
انطلق "بنو مصعب" خارج بلادهم سعيا وراء التحسين الاقتصادي، ولكنهم كانوا يتخوفون من آثار هذا الانطلاق خارج البلاد، فكانوا يفكرون في وضع حلول للمشاكل الناجمة عن ذلك أو التي يتوقعون أنها سوف تنجم، وقد عرضنا بعض ذلك في الفصل السابق. وهناك جانب آخر على غاية من الأهمية كان المفكرون المصلحون يخشونه أكثر مما يخشون جميع المشاكل الأخرى، وذلك أَنهم كانوا يتساءلون عما يضمن لهم رجوع الميزابي الذي خرج من وطنه إلى ذلك الوطن نفسه، ويضمن ارتباطه به إذا ساغت له الحياة في مهجره وطابت له فيه المعيشة، وهم حين نجحوا في إرجاع المغترب الفاشل والمنحرف بالتعاون مع السلطة يعرفون بالتأكيد أن هذا الأسلوب لا يُجدي مع الجميع.
فالتاجر الناجح الذي ازدهرت أعماله وازدادت مكاسبه، وتوسعت تجارته، واستطاع أن يحصل على أملاك وعقارات في كبريات المدن ليس من صالحهم ولا من صالحه، ولا من صالح المجتمع، ولا من صالح الدولة أن يُقطع عن أعماله، ويلزم بالقبوع في "وادي ميزاب" مكتوف اليدين، بينما كانت يداه في ديار الغربة تغزلان الحرير وتصوغان الذهب. فما الذي يضمن رجوع هذا التاجر إلى منطقة صحراوية، ويحول دون أن يعيش في رفاهية ورغد في
وطنه الجديد.
إنه لو ترك وشأنه يتصرف في حياته كما يريد لأمكن أن يتسرب بأهله، وهكذا يتسرب سكان الوادي إلى الخارج دون إحساس بالتسرب ولا بالخطر الذي يتهدد وطنهم الأصلي. ولا يلبث ذلك الوطن إلا فترة قصيرة حتّى يصبح خرابا ينعق فيه البوم كما وقع لكثير من بلدان الجنوب التي تسرب منها أهلها طلبا لسهولة العيش ورغده. فما هو القيد الذي يستطيعون أن يضعوه في رجل كُلّ مغترب حتى يرتبط بوطنه ارتباطا لا ينقطع، لقد فكروا في هذا كثيرًا حَتَّى اهتدوا إلى ذلك القيد فصاغوه من أشرطة العاطفة الناعمة، وأوثقوه إلى قاعدة من الحب المكين، مما جعل الميزابي وهو يغادر بلده لا يكف عن الالتفات إليه؛ لأنه مرتبط فيه بنياط قلبه وموثق إليه بجميع مشاعره وأحاسيسه مما يجعله لا