الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٥٠الإباضية في موكب التاريخ
386
الإباضية في الجزائر
يفكر إلا فيه، ولا ينفق إلا عليه حتى يجعله جنة مزدهرة وارفة الظلال، جنية الثمار، جميلة المظهر والمخبر، ورأوا أنه لا يربط الرجل شيء ما في مكان ما غير المرأة، فهي وحدها القادرة على إمساكه وعلى جلبه.
وبناء على هذه النظرية فقد تولى مجلس العزابة إصدار قرار ينص على أنه لا يجوز للمرأة الميزابية أن تخرج من وطنها لغير الحجّ والعلاج، وكانت فلسفتهم في اتخاذ هذا القرار مبنية على عدة اعتبارات لها قيمتها في بناء المجتمعات، منها ما يلي:
المرأة ربة البيت وهي مُرتكز الأسرة، وعليها تتجمع، وبقاؤها في الوطن يحفظ للوطن
كُلّ مطالبه من الأسرة، وفي مقدمتها الجوانب الاقتصادية.
بقاء المرأة في الوطن يجعل رب الأسرة مرتبطا عاطفيًا بوطنه، فهو يعمل بكل وسيلة للرجوع إليه متى سنحت الفرصة، كما أنه ينفق عليه وفيه بسخاء لتوفير وسائل الراحة له ولأسرته، بما في ذلك الاستغلال الزراعي لما يملكه.
بقاء المرأة في الوطن يجعل أبناء الأسرة ينشأون على المثاليات المعروفة عندهم، ويحافظون على السلوك الذي اعتاده المجتمع هناك، وهو سلوك أقرب إلى الفطرة، وألصق بالدين، وأقوم منهجًا من سلوك مجتمعات المدن لا سيما تلك التي اقتبست حضارتها من الغرب. السماح للرجل باصطحاب زوجته وأطفاله إلى مقر عمله التجاري قد يكون سببًا لأن تروق لهم الحياة هناك، فيقل شوقهم إلى الوطن، ويتطور ذلك إلى استحباب البقاء هناك، فيكون لونا من ألوان الهجرة وهو ما يخشونه.
السماح للمرأة بالانتقال مع زوجها إلى أماكن عمله يتيح لها أن تتصل ببيئات أخرى، وبطبيعة الجوار والمعاشرة وطول الحياة تقتبس أنواعًا من السلوك وأخلاقا وعادات مخالفة لما اعتادته في وطنها، وتدريجيا تألف تلك الأخلاق والعادات؛ فإذا رجعت في زيارة إلى وطنها كان سلوكها الجديد مثارًا للنقد، فتتضايق من ذلك وتحمل زوجها على الإسراع في العودة إلى مكان الغربة، وتكون هذه الحالات بداءات للهجرة الكاملة.
تنقل المرأة والأطفال في حياتهم بين بيئة وأخرى يجعلهم يعيشون بين أنماط مختلفة من
السلوك، فتؤثر تلك الازدواجية السلوكية على أخلاقهم وعلى سلوكهم.