الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١١٥الإباضية في موكب التاريخ
113
نشأة المذهب الإباضـ
وأسراره، وأعلمهم بمعاني القرآن الكريم ومواقع السنة، وأكثرهم إلماما بسيرته العطرة وهديه القويم، يضاف إليها شهادة الحسن البصري سيد التابعين وأقربهم من جابر، وأعرفهم به. إن هذه الشهادة التي يعطيها أخص أصحاب رسول الله ويختمها سيد التابعين، تعتبر أعظم إجازة معتمدة تعطى عن درجة علمية في ذلك الحين.
أخذ جابر العلم عن عبد
عمر، وغيرهم من الصحابة.
الله
بن عباس وعائشة أم المؤمنين، وأنس بن مالك،
وعبد الله
بن
قال جابر: أدركت سبعين بدريًا فحويت ما عندهم من العلم إلا البحر، وكان يقصد بالبحر عبد الله بن عباس ما. وإذا استطاع هذا الإمام العظيم بِمَا أوتي من جهد وذكاء وصبر أن يجمع علم سبعين بدريًا، فَإِنَّهُ ليس غريبا أن يكون جمع من علم بقية الصحابة رضوان الله عليهم ما لا يبلغه الحصر، لكثرة عددهم وسهولة الأخذ عنهم.
وقد تلقى عنه خلق كثير منهم قتادة شيخ البخاري، وأيوب، وابن دينار، وضمام بن السائب، وحيان الأعرج، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة … عاش جابر كما عاش غيره من كبار التابعين، يجاهد لإحياء سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والعمل، ويدعو سرا وعلنا إلى أن الأمة الإسلامية يجب أن تحافظ على شريعة الله لتكون خير
الله
أمة أخرجت للناس وكان يندد في دروسه ومجتمعاته بأولئك الذين انحرفوا عن دين فحكموا أهواءهم، وأرضوا شهواتهم، واتبعوا سبيل الشيطان، وكان يبارك الثورة التي تطيح
بالظلم، وتنزع الحكم من أيدي الخونة لتضعه في أيد أمينة حريصة على قداسة أحكام الله. وكان الإباضية يصدرون عن رأيه في جميع أمورهم كما كان يصدر عنه كثير من غيرهم من المسلمين، وليس جابر هو التابعي الوحيد؛ بل كان هذا رأي أكثر علماء الصحابة والتابعين في ذلك الحين. ولذلك فقد كان طغيان الأمويين وعمالهم يلاحق أولئك العلماء الدعاة في كل مكان، وكثيرًا ما يفر أولئك العلماء الهداة فيستخفون عن الظلم ويفرون بدينهم عن الجبروت. وقد يلحق بعضهم كثير من الأذى، فيتحمله صابرا في سبيل الله.