الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١١٦

الإباضية في موكب التاريخ

114

نشأة المذهب الإباضي

وكما كان جابر بطلا من أبطال الإسلام يحرص على تعريف المسلمين بدينهم، وبالعزة لهم، ويكافح في صبر وعزيمة طغيان الظالمين، وأضاليل المبتدعين، والكرامة التي يريدها الله

ولا

كان بطلا في ترويض نفسه وحملها على سلوك الصراط السوي، لا تغره شهرة العلـ سم، تخدعه ثقة الناس به، ولا تزدهيه نشوة الفوز في الانتصار على الخصوم. رأى يوما أحد طلابه يكتب شيئًا أثناء الدرس فنهاه أن يكتب شيئًا غير آية محكمة، أو سنة متبعة، أمَّا رأيه فلا عبرة به؛ لأنه قد يجد في المساء حجة أقوى من التي يستند إليها في الصباح،

إليها

فيرجع عنه إلى ما ثبت بالدليل الأقوى، ويذهب الطالب بما كتب ينشر الباطل في الناس. كان للحجاج كاتب يدعى يزيد بن مسلم، وكان يحب جابرًا كُل الحب، ويعجب به به كُلّ الإعجاب، وأخذت ظروف الحياة العادية جابرًا إلى زيارة هذا الكاتب المعجب، وكان الكاتب أراد أن يخدم كلاً من را من رئيسه وصديقه، فهياً لهما فرصة لقاء دون أن يشعرهما. استمع الحجاج إلى الإمام العظيم فأعجب بعلمه وخلقه، فعرض عليه القضاء قائلا له: "لا ينبغي أن نؤثر بك أحدا، نجعلك قاضيا للمسلمين"، وكانت هذه الفرصة التي يرمي الكاتب الصديق، ولكن جابرًا لم يكن طالب دنيا، فقال: "أنا أضعف عن ذلك"، قال الحجاج: "وما بلغ من ضعفك؟ "، قال: يقع بين المرأة وخادمها شر، فما أحسن أن أصلح بينهما". فقال الحجاج: "إن هذا لهو الضعف .. ". وهكذا تخلص الإمام الأكبر من هذا العرض الكريم الذي كان حريًّا أن تطير له نفس غيره فرحا ومسرة. ويظهر أن الكاتب الصديق لم يفهم مقصد الإمام من هذا التخلص، وكان يريد أن يستغل هذه

هي

الفرصة لفائدة الإمام، وأن يخدمه خدمة دائمة، ولذلك قال للحجاج: "ههنا خصلة تخف عن الشيخ وفيها عون للمسلمين تجعله في أعوان صاحب الديوان بالبصرة، فوافق الحجاج على الاقتراح؛

ولكن العالم الزاهد لم يوافق فقال ليزيد: "ما صنعت شيئًا، أتراني أكون عونا لصاحب الديوان؟ ". وهكذا لم يقبل الإمام العرض الثاني الذي تقدم به هذا المعجب المحب، وتتره أن يشتغل في وظائف حكومية ظالمة، وهل يصح أن يعين جابر أولئك الظلمة، وهو يندد كل يوم بأعمالهم، ويطالبهم بأداء الحقوق إلى أهلها وتسليم الأموال والعطايا إلى أصحابها، وإسناد الوظائف إلى الأمناء الحراس الذين يتقون الله ويخافون حسابه.