الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٥٥

الإباضية في موكب التاريخ

391

الإباضية في الجزائر

ديار الغربة لا يفتقد شيئًا، اللهم إلا بعض الوجوه أو بعض المناظر أو الشؤون الشخصية جدا، فهو يعيش في مجتمع هو نفس المجتمع الذي نشأ فيه بكُلِّ ألوانه وظلاله، وهو بذلك لا يحس أبدًا أَنَّهُ في غربة ولا يجد أبدا ما يجده المغترب - عادة - من الوحشة. وفي هذه العادة التي تنقل البيئة نفسها إلى مكان العمل من الاستقرار النفسي والاطمئنان الروحي ما يساعد على الاستمرار في العمل والإجادة فيه. - نظمت أوقات العمل والراحة والعبادة بحيث لا تترك فراغا يدعو إلى الاحساس

بالغربة، أو الافتقار إلى قتل الوقت؛ لأنه لم يبق لهم وقت زائد أو فارغ يستحق القتل. - عدم وجود الفراغ في الوقت مع شدة المراقبة والمتابعة من ثلاث جهات متعاونة، هي: مجلس العزابة، وجماعة الحرفة، وشروط عقد الزواج؛ لكُلِّ منها حق فرض عقوبة مناسبة، كان عاملا هاما في عدم التفكير في الانحراف بجميع أنواعه، وعدم التفكير في شيء يجعل الشخص لا يشعر بالحرمان منه.

ه التهديد بفقدان الزوجة وتشريد الأطفال إن هو فكر في إحدى الموبقات السابقة، أو فكر في إطالة الغربة أكثر مما حدده القرار، أو اتخذ حلاً مؤقتا بزواج ثان جعله لا يقدم عَلَى أي خطوة من تلك الخطوات لئلا يتهدم مستقبله كله.

ونستطيع الآن أن نقول:

إن المغترب لا يحس بالفراغ العاطفي طالما هو موجود في مجتمع وبيئة شبيهة بالبيئة التي كان يعيش فيها، وطالما في إمكانه أن يرجع إلى بلده في مناسبات معقولة، فلا يُخشى عليه من العُقد، ولا يخشى منه ولا عليه برود العلاقات الأسرية.

ولا يخشى عليه من سيطرة الغريزة؛ لأن وقته مملوء بعمل منتج، ولأنه لا يجد فرصة للتسكع فيرى ما يثير فيه نوازع الغريزة، ولأنه يعرف سلفًا أنه لا يستطيع أن يشبع غريزته بطريقة غير مشروعة فهو لا يفكر في الانحراف بتاتا، وَإِنَّمَا يحصر تفكيره في الجانب المشروع، وذلك إذا دعاه داعي الفطرة الذي حدد تقريبا بالأوقات التي يسمح فيها بالرجوع إلى البلد. وأحب هنا أن يدرك القارئ الكريم ذلك الفرق الكبير بين داعي الفطرة وداعي الغريزة،

أمَّا

فدواعي الفطرة وسيلة للقيام بوظيفة حيوية يتوقف عليها استمرار الخليقة؛ دواعي الغريزة