الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٥٦الإباضية في موكب التاريخ
392
الإباضية في الجزائر
فوسيلة للاستجابة والخضوع لسلطان شهوة غالبة أثارها إحساس أو نظر أو لمس، وقد يكون المثير مشروعًا عندما يكون مع من تربطهما علاقة شرعية، وقد يكون غير شرعي عندما يكون عند من لا تربطهما علاقة شرعية، وَلَعَلَّ الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي تختلط عنده مطالب الغريزة بمطالب الفطرة، وهو مطالب باعتباره عاقلاً مكلفا بالتفريق بينهما، ووضع كُلّ واحدة منهما في مكانها الصحيح؛ أمَّا غيره من المخلوقات فتوجهها الفطرة توجيها سليما، ولذلك فأنت ترى القطيع من الحيوان بذكوره وإناثه يعيش سنة كاملة معا لا يرتكب الخطأ الذي يرتكبه الانسان فإذا جاء الموسم الذي تدعوه الفطرة للقيام بمهمة استمرار الحياة استجاب لها بذكوره وإناثه حَتَّى إذا تَمَّت عملية الإخصاب بجميع الحوامل هدأت الحركة وتوقفت العملية إلى موسم مقبل.
فعملية اللقاء والإغراء في غير الانسان لا تستثير الغريزة ولا تدفع الشهوة إلى الغلبة والسيطرة إلا في الأحوال والأفراد الشاذين والشاذ لا حكم له. أما اللقاء والإثارة والإغراء في الانسان فهي شديدة الخطورة ولا تتحكم فيها الفطرة إنَّمَا تتحكم فيها الغريزة، والغريزة مطية الشهوة، ولذلك كان من تشريع الله للإنسان إبعاد المثيرات عنه بالفصل بين حركة الرجل والمرأة، وجعله لِكُلِّ منهما مدارًا في الحياة يدور فيه، ولا يتم اللقاء بينهما إلا بترتيب
وتنظيم.
وهذا ما أدركه المفكرون من "بني مصعب"، فكانوا لا يخشون على المغترب منهم من الانحراف؛ لأن ضمانات عديدة نفسية وعقلية ودينية وعملية تحول دون ذلك، ولا يخشى عليه من العقد؛ لأن العقد لا تنتج إلا من الاحساس بالحرمان المبني على القهر مع التفكير الدائم في إمكان الحصول على المرغوب لولا وسائل التسلط، أمَّا النفس التي لا تحصل على مرغوب مشتهى من دواعي الغريزة؛ لأنها مقتنعة داخليا - بأن ذلك ليس من حقها فلا تتعقد أبدا، فإذا كان المغترب ممَّن تكون عنده دواعي الفطرة بطيئة، وتغلبت عليه ظروف المال في ديار الغربة. ولا أحب أن يستمر فيها بعد أن بلغ الحد الأقصى للمدة المقررة أو المسموح بها، فإنه يكون عرضة لأن تنفصل عنه زوجته، وتتشرد أسرته فيبادر إلى الرجوع إلى وطنه ولو لم يكن
جمع