الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٥٨الإباضية في موكب التاريخ
394
الإباضية في الجزائر
والواقع أن هذا الوضع يقوي الترابط الأسري، ويبعد عنه ما تثيره التصرفات المباشرة، وتعارض الرغبات من آثار في النفوس.
وبفضل هذه التنظيمات وأمثالها لم يعرف التشرد في المجتمع الإباضي في أي دور من أدوار
بلدان
التاريخ حتّى في أشدها قسوة عليهم، رغم ما انصبت عليهم من النكبات في أي بلد من الإباضية. وكان هذا يمثل ظاهرة غريبة في الدراسات الاجتماعية لبعض المهتمين بهذا الموضوع، فقد كان بعضهم يلاحظ مع الاهتمام والاستقصاء والحرص أنه لا يوجد أي شحاذ أو متسول أو متشرد إباضي، بينما يوجد من غيرهم أعدادًا وافرة.
وقد أشار الأستاذ توفيق المدني ببراعة إلى هذه الظاهرة عندما تكلم عن إباضية "وار جلان"، أَمَّا الأستاذ حسن عبد الوهاب فقد لاحظ هذه الظاهرة بعمق في إباضية "جربة"، وتحدث عنها بشيء من الإسهاب وحاول أن يعللها ويبحث عن أسبابها فوفق في بعض التعليقات، وفاته التوفيق في بعضها. وحسبه أنه أدرك ما لم يشعر به، أو تغافل عنه غيره وكتب عنه بصدق وصراحة، وحاول أن يفهم أسبابه.
ولا خوف أبدا من التفكك الأسري المنبني على طول الغياب الذي يسبب ضعف العلاقات مع الأقارب والتقصير في أداء حقوقهم، فإن هذه الفكرة غير واردة أساسا؛ لأن حقوق الأقارب وزياراتهم ليست واجبًا يوميًا، وَإِنَّمَا هي مرتبطة غالبا بالمناسبات والمواسم، وتتفاوت هذه الحقوق بتفاوت درجات القرابة.
إليه وربما كان محملاً ولا شك أن الغياب فترة من الزمن يجيء بعدها القريب مشتاقا بالهدايا - كفيل بنسف كُلّ المخاوف في هذا الباب. وَلَعَلّ غياب بعضهم عن بعض فرات معقولة من الزمان أدى لأن لا تثور بينهم المشاكل بسبب احتكاك المعاشرة وأن يتغلب على صغائر الأمور فتغلب المحبة عليهم وتزداد أواصرهم توثقًا ومتانة. أمَّا نقطة الخسارة الاقتصادية فلعلها ليست تدعي الدراسة من الأهمية بحيث تستدعي والبحث، والأموال التي تصرف على الأسرة وعلى الوطن ليست خسارة، وإن كان فيها
بعض المبالغة، والمرأة التي تتولى إدارة البيت في غياب زوجها تتعود عَلَى حسن الإدارة، وَرُبَّمَا تجيد إدارة الجانب المالي فيه أكثر من إدارة الزوج له.