الإباضية في موكب التاريخ علي بن يحيى معمر

الإباضية في موكب التاريخ

الجزء ١ · صفحة ١٬١٥٩

الإباضية في موكب التاريخ

395

الإباضية في الجزائر

خائمة الفصل

بقي في نهاية هذا الفصل أن أقول: إن هذه الأنواع من التنظيمات والإجراءات أو الأعراف ليست وليدة يوم، ولا منبثقة عن تفكير فلسفي في برج عاجي، أو نبعت بين أناس من ذوي الكراسي الدوارة والمكاتب العريضة الذين يتصورون مشاكل المجتمع بآذانهم، ويتخذون لها الحلول بأخيلتهم، وَإِنَّمَا هي نبعت من تجارب غنية متواصلة، وملاحظات مستمرة متتابعة ومناقشات في اختيار أنسب الحلول وأسلمها، وقد تدوم تلك الملاحظات والمناقشات شهورًا وأعواما حتَّى تبلغ إلى الصيغ النهائية التي نفذت كأعراف أو تقاليد، أو كأنظمة وقوانين. فما الآثار التي نتجت عن مجموع تلك القرارات والتنظيمات والأعراف والتقاليد؟

هي

وللإجابة عن هذا السؤال أستطيع أن ألخص أهم تلك الآثار في النقاط التالية: 1 - اعتمدوا في بناء وطنهم عَلَى أنفسهم، واعتبروا غربتهم تضحية في سبيل الوطن يرجون عليها الثواب من الله، وجعلوها وسيلة لخدمته، ولذلك فهم ينفقون بسخاء على تعميره مما جعله يمتاز عَلَى غيره من الواحات بالعمران والازدهار ووسائل الحضارة ويسر المرافق. وقد جعلهم حبهم لهذا الوطن واغترابهم من أجله يتصرفون خلاف ما هو متعارف عليه في العالم أجمع، وذلك أن أكثر الناس إذا أرادوا التخفف من المسؤليات وقضاء وقت في الراحة والاستجمام. يأخذون مبالغ من المال وينطلقون بها خارج بلادهم ينفقونها هناك في حرية ودون مسئولية، أمَّا "بنو مصعب" فَإِنَّهُم إذا أرادوا التخفف من مسئولياتهم وقضاء وقت في الراحة والاستجمام فَإنَّهُم يأخذون ما معهم من مال في دار غربتهم، ثُمَّ ينطلقون من بلدان عملهم إلى بلدان وطنهم الأصلي، حيث يقضون فترة من الراحة والاستجمام بين أفراد

أسرهم وفي ربوع وطنهم، وتعود نفقاتهم على بلادهم وشعبهم بالخير والرغد والازدهار. 2 - ارتبطوا مصيريًا بوطنهم الأصلي فهم مشغولون عَلَى كُلِّ النطاقات بالتفكير فيه والعمل له، والكفاح من أجله، وقد كلفهم ذلك أثمانا، باهظة قديما في رد عدوان هجمات النهب والسرقة والقتل، وحديثًا في كفاحهم للاستعمار الفرنسي ورفضهم للخضوع له، ولفروضه التي كان يفرضها عَلَى الشعوب الداخلة تحت سيطرته كالتجنيد الإجباري.