الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١٬١٦٠الإباضية في موكب التاريخ
396
الإباضية في الجزائر
3 - عند اغتراب الرجل بقيت المرأة هي ركيزة العمل الاجتماعي فقد توفرت لها التربية الدينية، وارتبطت بالمسجد يوميًا تحضر الصلاة، وتسمع الدروس، وكفل لها المجتمع حصانة دائمة لا تتعرض فيها لأي هزة أو إثارة، ولم تنفتح لها أبواب الشر والفساد كما انفتحت لغيرها. وألقيت عليها مسؤولية الاستقرار في الوطن والمحافظة على مثاليات الأسرة التي يوجهها الدين، ويقرها العرف الحسن، فثبتت في مكانها كقاعدة تدور حولها شؤون الأسرة جميعا، وينشأ تحت رعايتها الأطفال، ويساعدها الأجداد، ويشترك معها الزوج في رسم المسيرة عندما يحضر، أو يتم ذلك بالمراسلة في المشاكل الطارئة، ومنع غير المحارم من لقائها ولو كانوا من أقاربها، فاستغنت عنهم واستقلت بإدارة البيت ورعاية شؤونه مما أكسبها قوة في الشخصية واعتدادًا بالنفس وثقة من الزوج والأهل فكانت العلاقة التي تربطهم جميعا ولا سيما الزوجين مبنية على المحبة والاحترام المتبادلين.
4 - اعتاد الميزابيون مشقات السفر والاغتراب وتمرسوا بخدمة أنفسهم دون اللجوء إلى غيرهم، وعودوا أبنائهم عَلَى ذلك من عهود الطفولة، فتكونت فيهم صفات رجولية قوية معتمدة على النفس، وسلموا من عواقب التدليل الذي يورث الوهن، ومن مظاهر الحب والحنان الذي يتجاوز حدوده فينقلب إلى مرض نفسي. فكانوا إذا طلبوا من طفل في السابعة أن يرحل إلى بلد بعيد يقيم فيه السنة والسنتين دون أحد من أقاربه استعد لحمل أمتعته، وساعدته أمه عَلَى ذلك، دون أن تقوم مناحة في البيت بسبب الفراق، ودون أن تتبلل دستة من المناديل بالدمع في لحظات الوداع، ودون أن يحس هو بأنه في حالة حرمان المفطوم أو بأنها في موقف الثكلى. ه كان من أهم آثار تلك التنظيمات عليهم أن ربطتهم بوحدة متميزة في السلوك والعادات، وجعلتهم حراصًا على الاستمساك بالدين والاحتفاظ بالاستقامة في الخلق، وقويت الرابطة بينهم في ديار الغربة وفي داخل بلادهم وعودتهم على التفكير الجدي في المصالح العامة والتعاون عليها حتى أصبح القيام بها، والإنفاق عليها والتبرع لمشاريع الخير -كيفما كانت- ملكة فيهم يستجيبون لها بالنداء الداخلي الذي يحسونه في أنفسهم أكثر مما يستجيبون له بالدعوة إليه، وكان من نتائج ذلك أنه ما قام داع يدعو إلى مشروع خيرى لمصلحة الجماعة
تحس هي
-