الإباضية في موكب التاريخ
الجزء ١ · صفحة ١١٧الإباضية في موكب التاريخ
115
نشأة المذهب الإباض
وعندما أراد الرجوع من هذه الزيارة وتهيأ للسفر أمر يزيد غلمانه أن يسرجوا البرذون فاستحى الإمام من ربه أن يركب مركبا اختاره الظالمون المرفهون، واختص به الجبابرة المترفون، فاستعفى صاحبه منه فأحضرت له بغلة فقبل وركبها وهو يعلم أن ركوب البغلة أدنى إلى الخشونة وأبعد من الراحة، وأنفى للكبر وأقرب من سنة رسول الله، فقد كان سيد الخلق يركب "دلدلا" الشهباء.
وبالغ يزيد في إكرام الإمام على الطريقة التي يعرفها الحكام المترفون المسرفون في الدول الظالمة، فأمر جواريه أن يدهن رأس جابر ولحيته بالغالية، فتزل الإمام الكبير إلى دجلة وغسل رأسه
ولحيته، ودلكها دلكا شديدا، وهو يقول: "اللهم لا تجعل حظى منك مترلتي عند هؤلاء القوم". اعتاد جابر أن يحج كُلّ سنة، وفي إحدى هذه السنوات بعث إليه عامل البصرة أن لا تبرح العام، فإن الناس يحتاجون إليك؛ يعني في التدريس والفتوى ولكن جابرا أصر على موقفه وأبلغ العامل أَنَّهُ لن يترك عملا الله من أجل أوامر بشر، ولو كان البشر عاملا من عمال الدولة الأموية، فأخذه العامل وسجنه. وعندما أهل هلال ذي الحجة، جاء الناس إلى العامل فقالوا: أصلح الله الأمير قد أهل هلال ذي الحجة ولم يبق من الوقت ما يكفي للسفر بين البصرة ومكة، فأطلق الأمير سراحه. وَلَمَّا وصل جابر إلى منزله بدأ يشد الراحلة على ناقة له كان يعدها للحج، ويقول: مايفتح اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَها)، ثُمَّ سأل آمنة هل عندك شيء؟ فقالت له نعم وأحضرت الزاد في جرابين، وطلب منها ألا تخبر أحدًا بمسيره في ذلك اليوم، وانتهى إلى عرفات والناس بالموقف، فضربت الناقة الأرض بحرانها، وتجلجلت فقال الناس: ذكها! ذكها! … فقال: "حقيق لناقة رأت هلال ذي الحجة في البصرة، وأدركت الناس في عرفات، أن يفعل بها هذا وسلمت الناقة، وكان قد سافر عليها أربعا وعشرين مرة بين حجة وعمرة (2). وإنه لمن نافلة القول أن أتحدث عن دين جابر، وخلقه وخوفه لربه، واتباعه للسنة وابتعاده عن البدعة، وفهمه العميق لأسرار الشريعة ومحاسبته لنفسه، وحملها على ما تكره النفس البشرية إذا كان في ذلك قربة إلى الله عل.
1) سور فاطر: 2.
2) انظر: الدرجيني: الطبقات، 2/ 208. والشماخي: السير، 1/ 68. (المراجع)